العَهْدُ الّذي لا يَسقُط ….! نص بفلم د. عبدالرحيم جاموس

لسنا ذِكرى
كي نُحيَّى…
نحنُ العَهْدُ
حينَ يَشيخُ الكلام…
مِن جُرحٍ
تعلَّمَ الوقوف،
ومِن اسمٍ
قال: فَتْح
فانفتحَ الطريقُ
ولم يُغلِقْه الدَّم…
واحدٌ وستّون عامًا
والخُطوةُ ذاتُها:
لا تَستعجِلُ النَّصر،
ولا تُسَلِّمُ البوصلة…
شُهداؤنا
لم يَغيبوا،
غَيَّروا العَناوين:
مِن الجَسَد
إلى المَعنى،
ومِن اللَّحظة
إلى الطَّريق…
هُم
حينَ نَتَعِب،
وحينَ نَختلِف،
وحينَ يُراوِغُ الزَّمن…
هُم
الجواب…
للأسرى نقول:
أنتُم الوَقْتُ
حينَ يُختَطَفُ الزَّمن،
أنتُم الحُرِّيَّة
تتدرَّبُ على الصَّبر…
وللجُرحى:
كلُّ نَدبةٍ
خريطة،
وكلُّ أَلَمٍ
قَسَم…
نُقاوِمُ
لا بالمُغامَرة،
نَصمُدُ
لا بالمُساوَمة،
نَحمي الدَّم
مِن أن يُستَخدَم…
فَتْح
ليست بُندُقيَّةً فقط،
ولا سياسةً فقط،
هي ما يَبقى
حينَ تَسقُطُ الأقنِعة.
نُحاصِرُ الاحْتِلال
بالحقّ،
بالقانون،
بالرِّواية الّتي لا تُكسَر،
ونَحرسُ الدَّاخل
مِن الفَوضى،
ومِن سَرقةِ الوَجَع…
لسنا كامِلين،
لكنّنا أَوفياء،
تعلَّمنا مِن الانكِسار
كيفَ لا نَنكَسِر…
في الأوّلِ مِن كانونِ الثّاني
لا نُشعِلُ شَمعة…
نُشعِلُ عَهْدًا:
أن نَبقى،
أن نَثبُت،
أن نَمشِي
حتّى يَمَلَّ الاحْتِلال
مِن صَلابتِنا…
هذهِ فَتْح:
ذاكرةٌ تَمشي،
ويدٌ لا تَسقُط،
وطريقٌ
يَعرِفُ
أنَّ النِّهاية
حُرِّيَّة…..
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
31/12/2025 م
هذا النص ليس مجرد كلمات احتفالية، بل هو بيان وجودي وصياغة أدبية عميقة لمفهوم الاستمرارية النضالية. إليك قراءة أدبية تحليلية لهذا النص الرفيع للدكتور عبدالرحيم جاموس:
🛑 العهد الذي لا يسقط: قراءة في فلسفة البقاء
١- التحرر من سطوة “الذكرى” إلى خلود “المعنى”
يبدأ النص بتمرد شعري على القوالب الجاهزة: “لسنا ذكرى كي نُحيى”. هنا يرفض الكاتب أن تتحول حركة “فتح” أو الثورة إلى طقس سنوي بارد. هو ينقلها من “الزمن الماضي” (الذكرى) إلى “الزمن المستمر” (العهد).
* الصورة الفنية:
“حين يشيب الكلام”؛ تعبير مذهل عن صمود المبدأ حين تعجز الخطابات وتستهلك اللغات، يبقى الفعل هو الناطق الوحيد.
٢-فلسفة الشهادة والاعتقال
قدم الدكتور جاموس رؤية مغايرة للموت والأسر:
* الشهيد:
لا يغيب، بل “يغير العنوان”. هي نقلة من الفيزيائي (الجسد) إلى الرمزي (المعنى). الشهداء هنا هم “البوصلة” التي تضبط إيقاع المختلفين والمتعبين.
* الأسير:
هو “الحرية تتدرب على الصبر”. هذا التشبيه يقلب الطاولة على السجان؛ فالأسير ليس مقيداً، بل هو في مرحلة إعداد وتدريب لمفهوم الحرية الأسمى.
٣- الثبات بين “المغامرة” و”المساومة”
يرسم النص خطاً رفيعاً وحكيماً للهوية السياسية:
* نقاوم لا بالمغامرة: تأكيد على الوعي والمسؤولية.
* نصمد لا بالمساومة: تأكيد على الصلابة.
هذا التوازن يخرج الحركة من فخ العفوية إلى فضاء “الرواية التي لا تُكسر”.
٤- أنسنة “فتح” (ما وراء البندقية)
في مقطع جوهري، ينزع الكاتب الصفة المادية الضيقة عن الحركة: “ليست بندقية فقط، ولا سياسة فقط”. إنها “ما يبقى حين تسقط الأقنعة”. هي الضمير الشعبي الذي يحرس الداخل من “سرقة الوجع”
(المتاجرة بآلام الناس) ومن “الفوضى”.
٥. كانون الثاني.. إيقاد العهد لا الشمع
في ختام النص، تتحول ذكرى الانطلاقة من مجرد احتفال رمزي (إشعال شمعة) إلى فعل إرادي (إشعال عهد). النهاية جاءت مفتوحة على الأمل ومغلقة أمام اليأس: “حتى يمل الاحتلال من صلابتنا”؛ وهي صياغة ذكية تجعل “الملل” والهزيمة النفسية قدر المحتل، والصلابة قدر صاحب الأرض.
🖋️ الخلاصة الجمالية
النص مكتوب بلغة “السهل الممتنع”، تمتاز بجمل قصيرة مشحونة بكثافة فلسفية. نجح الدكتور عبدالرحيم جاموس في تحويل النص السياسي إلى نص إنساني ملحمي، يعيد ترتيب علاقة الفلسطيني بالوقت، والألم، والهوية.
> “كل نُدبة خريطة.. وكل ألم قَسَم”
> (لعل هذه الجملة هي أختصار لكل تاريخ الوجع الممتد إلى ستين عاماً ويزيد).

قراءة أدبية بقلم/
د. عادل جوده/ العراق.
تحياتي واحترامي🌸🌸🌸



