أيُّ عالمٍ هذا، يجعلُ الموتَ حلمًا لطفلة…؟.. بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

ما قالته الطفلة ليس جملة عابرة، ولا لحظة بكاءٍ عاطفي أمام كاميرا صحفي….
إنه اتهامٌ أخلاقيّ كاملٌ للعالم، بصوتٍ صغيرٍ مكسور.
حين تُسأل طفلة: «ماذا تتمنّين؟»
فتجيب بلا تردّد: «نفسي أموت… برتاح»،
فنحن لا نكون أمام حزنٍ طفوليّ عابر،
بل أمام انهيار معنى الحياة في وعي طفل….
الحياة، التي يفترض أن تكون لعبًا وأمانًا ودفئًا وحلمًا،
تحوّلت في غزة إلى عبءٍ أثقل من الاحتمال،
حتى بات الموت – في خيال الأطفال – فكرة راحة،
لا نهاية، ولا فاجعة….
الموت هنا لم يعد مرعبًا،
بل صار مخرجًا،
والراحة لم تعد في حضن أم،
ولا في رغيف خبز،
ولا في سرير دافئ،
بل في الغياب… في الانطفاء….
هذه ليست لغة أطفال….
هذه لغة من عاش الرعب أطول مما يحتمل العمر،
من نام على الجوع،
واستيقظ على القصف،
وتعلّم أن البرد ليس فصلًا،
بل قدرًا دائمًا…
الأخطر في كلمات الطفلة ليس يأسها،
بل اعتيادها على الألم،
وتطبيعها مع فكرة الموت كخلاص.
وهنا تتجلى الجريمة بأوضح صورها:
حين يُربّى طفل على أن الحياة عذاب،
فهذا ليس فشلًا إنسانيًا فحسب،
بل سقوطٌ مدوٍّ لكل القوانين الدولية،
وكل مواثيق حقوق الإنسان،
وكل الشعارات التي يتغنّى بها العالم الحر.
في غزة،
لم يُقتل الأطفال بالقنابل فقط،
بل قُتل فيهم معنى الطفولة،
وقُتل فيهم الإيمان بالغد،
وقُتل فيهم الأمل البسيط بأن يكبروا.
أن يتمنى طفل الموت،
فهذه ليست مأساة فردية،
بل شهادة إدانة مكتوبة بدموع صغيرة
ضد عالمٍ يرى،
ويسمع،
ويصمت…
غزة اليوم لا تطلب شفقة،
بل تفرض سؤالًا واحدًا،
سؤالًا يجب أن يلاحق ضمير البشرية بلا هوادة:
أيُّ عالمٍ هذا، يجعلُ الموتَ حلمًا لطفلة…؟
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
9/1/2026 م
https://www.facebook.com/share/r/1A8ebSsd1X/



