“قصيدة الشهيد ” ….! نص ّ بقلم: د. عبدالرحيم جاموس

في الذكرى الـ77 لاستشهاد الشاعر والثائر الفلسطيني عبد الرحيم محمود
إلى الذي أقرن القول بالفعل، ومضى إلى الخلود وهو يلقي بروحه في مهاوي الردى، فأنجب الشعرُ بندقيةً، وسقطَ الشاعر واقفًا…
ليبقى الوطنُ واقفًا.
النص :

وحدهُ…
كانَ يعرفُ كيفَ تُولدُ القصيدةُ ..
من فوهةِ البندقية …
وكيفَ تُمطرُ المجازُ …
على الترابِ نبوءةً حمراءْ …
وحدهُ…
كانَ يحملُ رايتَهُ …
من نسغِ الجرحِ …
ويكتبُ فوقَ كلِّ عاصفةٍ:
“سأحملُ روحي على راحتي…”
فتمشي البلادُ خلفهُ …
كأنها تعرفُ الطريقَ إلى السماءْ …
*
يا ابنَ عنبتا، …
أيها الطالعُ من ذاكرةِ الرصاصِ والسنابلْ، …
كلُّ القصائدِ من بعدك …
تحاولُ أن تُشبهك…
ولا تصلْ …!
*
أبا الطيبِ…
ما زالَ موتُكَ حيًّا …
ينامُ في خنادقِ الكلمةِ ….
يوقظُ النومَ عن وجعِ البلادِ، …
ويقولُ لنا كلَّ صباح:
لا شعرَ بلا سيفْ
ولا نصرَ بلا دمْ
ولا وطنَ بلا شهيدْ ….
*
تذكّركَ الناصرةُ…
كأنكَ ما غادرتَ المقهى، ..
ولا السلاحْ
تمشي خفيفًا ….
وفي عينِكَ يقظةُ الشهداءِ …
وفي عنقِكَ شظيةُ الخلودْ…
*
كأنكَ خرجتَ الآنَ …
من معركةِ “الشجرة”،…
والقذيفةُ ما زالتْ …
ترسمُ على خدِّكَ شارةَ النصرِ الأخيرةْ …
كأنكَ همستَ للأرضِ هناكَ:
خذيني شهيدًا،
فإما حياةٌ تُسرُّ الصديقَ،
وإما مماتٌ…
يُغيظُ العِدى ….
*
يا عبدَ الرحيمِ…
في حضرتكَ
تصمتُ الكلماتُ وتخشعُ اللغةُ، …
فأنتَ الذي كتبَ “المانيفستو”
ووقّعهُ بالدمِ والقصيدةِ والرحيلْ …
*
يا وجهَ الثورةِ الأجملْ، …
يا أولَ النشيدِ في زمنِ النكبةِ …
وآخرَ القصائدِ في زمنِ الندمْ، …
نم قريرًا،
فكلُّ شاعرٍ على خطاكَ يمضي…
وكلُّ شهيدٍ…
يُعيدُ للقصيدةِ معناها …
*
سلامٌ على روحِكَ…
سلامٌ على صوتِكَ …
إذ يعلو من تحتِ الترابْ،…
ويقولُ لنا في الذكرى السابعةِ والسبعين:

فلسطينُ لا تُحرَّرُ…
إلا إذا حملَ الشاعرُ قلبَهُ …
ومشى إلى الحتفِ…
كأنه يُلقي بنفسهِ…
في مهاوي القصيدة…
*
في ذكراك…
لا نرثيك، بل نقرأك …
ونكملُ القصيدةَ …
حيثُ توقفتْ بندقيتُك….!
د. عبدالرحيم محمود جاموس
الرياض 13 تموز/ يوليو/2025 م

بين يدي هذا النص الباذخ للكاتب د. عبد الرحيم جاموس، نحن لا نقف أمام مجرد رثاء تقليدي، بل نحن أمام “بيان شعري” يعيد صياغة العلاقة بين المثقف والأرض، وبين الكلمة والطلقة.

في الذكرى الـ77 لاستشهاد الشاعر الثائر عبد الرحيم محمود، يأتي هذا النص ليؤكد أن الشعراء الحقيقيين لا يموتون، بل يتحولون إلى تضاريس في جغرافيا أوطانهم.

تجسير الفجوة
بين القول والفعل

يفتتح الكاتب نصه باستحضار التلاحم العضوي بين “فوهة البندقية” و”ميلاد القصيدة”. لقد كسر عبد الرحيم محمود تلك الهوة التقليدية بين التنظير والتطبيق؛ فلم تكن قصيدته “سأحمل روحي على راحتي” مجرد استعارة بلاغية، بل كانت “خريطة طريق” جسدها بدمه في معركة “الشجرة”. يصف الكاتب هذا المشهد ببراعة حين يقول إن البلاد مشت خلفه “كأنها تعرف الطريق إلى السماء”، وفي هذا إشارة إلى أن القائد الحقيقي هو من يصنع بفعله وعي الجماعة.

التناص مع الخلود:
حضور المتنبي الثائر

استخدام كنية “أبا الطيب” ليس مجرد استحضار لاسم ابنه، بل هو استدعاء لروح المتنبي في فروسيته وأنفته، لكنها نسخة فلسطينية معمدة بالدم. يرى الكاتب أن “موت الشهيد حيّ”، وهي مفارقة صوفية وسياسية في آن واحد؛ فموت الشاعر هو الذي “يوقظ النوم عن وجع البلاد”. هنا تتحول القصيدة إلى “سيف”، ويصبح النصر رهيناً بمداد الدم، فلا وطن بلا تضحية، ولا شعر بلا موقف.

سينما الذاكرة:
معركة الشجرة وما بعدها

ينتقل النص بنا إلى “الناصرة” و”المقهى” وساحة المعركة، ليجعل من الشهيد كائناً عابراً للزمن. يصور الكاتب الشهيد وكأنه “خرج الآن” من المعركة، والشظية في عنقه ليست جرحاً، بل هي “وسام الخلود”. هذا الحضور الطازج للشهيد يلغي المسافة الزمنية (77 عاماً)، ويجعل من عبد الرحيم محمود معاصراً لكل انتفاضة، وملهماً لكل قلم.

المانيفستو الأخير:
فلسفة الحتف

يصل الكاتب إلى ذروة التحليل حين يصف رحيل الشاعر بأنه “المانيفستو” (البيان) الذي وُقّع بالدم. إنها رسالة قاسية للأجيال: “فلسطين لا تُحرر إلا إذا حمل الشاعر قلبه ومشى إلى الحتف”. هنا يرتفع الكشف الأدبي ليقول إن القصيدة بلا تضحية هي مجرد ترف لغوي، وأن الشهيد هو من يعيد للكلمات معناها الأصيل بعد أن لوثها “زمن الندم”.

الخاتمة:
استمرارية البندقية

يختم د. عبد الرحيم جاموس نصه بعبارة تقريرية ثورية: “لا نرثيك، بل نقرأك”. الرثاء للفوات، أما القراءة فهي للاستمرار. إن “إكمال القصيدة حيث توقفت البندقية” هو العهد الذي يقطعه النص على نفسه وعلى القارئ، محولاً ذكرى الاستشهاد من مناسبة للبكاء إلى وقود للاستمرار.
إن هذا النص ليس قراءة في تاريخ شهيد فحسب، بل هو “محاكمة جمالية” لكل من يكتب عن الوطن دون أن يسكن وجعه، وتقدير لقامة فلسطينية أثبتت أن أجمل القصائد هي تلك التي تُكتب بـ “حبر الدم” على “ورق التراب”..
تحياتي واحترامي🌹🌺🌸

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com