في ذكرى الإسراء، والمعراج المسجد الأقصى المبارك لا يزال أسيرًا !!!.. الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد أبو نحل

تهل، وتطل علينا اليوم ذكرى إيمانية مباركة تأتي في كل عام من ليلة 27 من شهر رجب المُحرم، وهي ذكرى رحلة الإسراء والمعراج الخالدة العظيمة لتجدد، وتوقظ ذاكِّرة، وأفئدة الأمة العربية، والإسلامية عظمة، وأهمية، ومكانة وقداسة المسجد الأقصى المبارك، قبلة المسلمين الأولى، ويجب عليهم العمل بكل جهد على تحريره من دنس المحتلين الغاصبين حيث أنه يتعرض للتدنيس من العدو المجرم، ومن الاقتحامات المتواصلة من قطعان المستوطنين الغاصبين المجرمين ليلًا، ونهارًا، والذين لم يكتفوا بمحاولة تقسيمه زمانيًا، ومكانيًا وإنما يحاولون كل حين لهدم المسجد الأقصى المبارك. رغم أن مقامه، وحرمتهُ، مثل مقام وحرمه المسجد الحرام في مكة المكرمة؛ فجاءت رحلة الإسراء والمعراج سلوى ورحمة، ومعجزة ربانية تكريمًا لسيد الأنبياء، والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ و لتوضح للعالم أجمع فضائل المسجد الأقصى المبارك؛ وأن الله عز وجل قادر على كل شيء؛ فأسرى بنبيه من المسجد الحرام إليه، وفي المسجد الأقصى المبارك صلى نبينا، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالأنبياء إمامًا، قال الله – تعالى -: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء). قال ابن كثير – رحمه الله -: “يمجّد – تعالى – نفسه، ويعظم شأنه لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره، ولا رب سواه (الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) يعني محمدًا (لَيْلاً) أي في جنح الليل (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، وهو مسجد مكة (إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى)، وهو بيت المقدس الذي بإيلياء، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل – عليه السلام -، ولهذا جُمعوا له هناك كلهم، فأمَّهم في مَحِلَّتهم ودارهم، فدل على أنه الإمام الأعظم، والرئيس المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين” تفسير ابن كثير؛ وذلك يوضح مدى قداسة وطهر، وبركة، وعظمة المسجد الأقصى المبارك؛ وأن النبي ذكر صراحة تقدّمه على جميع المرسلين وأنه أمَّهم، وصلاة المرسلين خلفه اعتراف منهم بمنزلته وفضله ومكانته، وأن رسالته نسخت جميع الرسالات السابقة عليه، فلا يُعمل بها ولا يُرجع إليها، وأن مسئولية المسجد الأقصى أصبحت مسئولية الرسالة الخاتمة التي ختمها الله بنبينا؛ لأن جميع الأنبياء والمرسلين قد سلَّموا له بذلك. فالمسجد الأقصى للمسلمين إلى أن تقوم الساعة بشهادة جميع المرسلين؛ قال ابن كثير – رحمه الله -: “ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لمَّا مرَّ بهم في منازلهم جعل يسأل جبريل عنهم واحدًا واحدًا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولاً مطلوبًا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله – تعالى -، ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل – عليه السلام – له في ذلك، ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، والله – سبحانه وتعالى – أعلم” تفسير ابن كثير؛ كما رجح ذلك الشيخ الألباني – رحمه الله – فقال: “والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السماوات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيًا وهم معه، وصلى بهم فيه، ثم إنه ركب البراق، وكر راجعًا إلى مكة، واللهُ أعلم”؛ ومن فضائل المسجد الأقصى المبارك أنه أحد المساجد الثلاثة التي أذن الشرع في شد الرحال إليها، كما ثبت عن قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ – رضي الله عنه – يُحَدِّثُ بِأَرْبَعٍ عَنْ النَّبِيِّ فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي، قَالَ: ((لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلاَّ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلاَ صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ، وَالأَضْحَى، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَلاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِي)) (رواه البخاري).
والصلاة في المسجد الأقصى تفضل الصلاة في غيره بمائتين وخمسين صلاة، كما في حديث أبي ذر – رضي الله عنه – قال: “تذاكرنا ونحن عند رسول الله أيهما أفضل مسجد رسول الله، أو مسجد بيت المقدس، فقال رسول الله صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى، وليوشكن أن لا يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعًا، أو قال خير من الدنيا وما فيها”؛ والمسجد الأقصى المبارك هو ثاني مسجد بُني على الأرض كما في البخاري عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: ((المسجد الحرام)) قال: قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى؟ قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعدُ فصلِّ فإن الفضل فيه)؛ وقال ابن حجر في الفتح: “وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة، ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس، فقد روينا أن أول من بنى الكعبة آدم، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بنى إبراهيم الكعبة بنص القرآن، وكذا قال القرطبي إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان عليهما السلام لما بنيا المسجدين ابتدآ وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما أسسه غيرهما” فتح الباري؛ وقد سأل سليمان – عليه السلام – ربه وهو يبني بيت المقدس أن يخرج من صلى فيه من خطيئته كيوم ولدته أمه، ففي مسند الإمام أحمد وغيره أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله – عز وجل – خلالاً ثلاثة: ((سأل الله حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا ينهزه أي لا يدفعه إلا الصلاة فيه أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون أعطى الثالثة)) والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع؛ وأرض فلسطين المباركة هي مهاجر إبراهيم ولوط – عليهما السلام – فالله- تبارك وتعالى – لما نجَّى إبراهيم ولوطًا – عليهما السلام – وجههما إلى فلسطين ليقيما عليها ويستقرا بها، وفيها توفي خليل الرحمن إبراهيم – عليه السلام – في البيت المقدس، ودفن في أرض فلسطين، وكان ملك داود وسليمان – عليه السلام – في البيت المقدس، كما عاش من اصطفاهم الله من آل عمران ببيت المقدس، وقد نذرت أم مريم ما في بطنها لخدمة بيت المقدس، وهذا يفيد مكانته عندهم قال – تعالى -: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران)، والمعنى أنها نذرت ما في بطنها وسألت ربها أن يكون خالصًا مفرَّغًا للعبادة ولخدمة بيت المقدس، ولمكانة بيت المقدس وفضله سأل كليم الله موسى – عليه السلام – ربه أن يدنيه عند الموت من الأرض المقدسة لشرفها وبركتها، كما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: “أُرسل ملك الموت إلى موسى – عليه السلام -، فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه، فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عليه عينه، وقال ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة قال أي رب، ثم ماذا؟ قال ثم الموت قال فالآن فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر» قال رسول الله «فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر”، وقال النووي – رحمه الله -: “وأما سؤاله الإدناء من الأرض المقدسة؛ فلشرفها وفضيلة من فيها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم قال بعض العلماء وإنما سأل الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس؛ لأنه خاف أن يكون قبره مشهورًا عندهم فيفتتن به الناس” والله تعالى أعلى، وأجل، وأعلم.. . كانت رحلة الإسراء هو الرحلة الأرضية التي هيأها الله لرسوله (ﷺ) من مكة إلى القدس.. من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الرسول ﷺ بعدما مضى عليه عشر سنين في مكة، يدعو الناس إلى توحيد الله، وترك الشرك، وقد أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء، وجاوز السبع الطباق، وارتفع فوق السماء السابعة -عليه الصلاة والسلام-، معه جبرائيل، فأوحى الله إليه ما أوحى، وفرض عليه الصلوات الخمس، الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، فرضها الله خمسين، فلم يزل النبي ﷺ يسأل ربه التخفيف؛ حتى جعلها خمسًا سبحانه، فضلاً منه، ونادى منادٍ: إني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي؛ فنزل بها -عليه الصلاة والسلام- في ليلة الإسراء، وأنزل الله في هذا قوله سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1] فهذه الآية العظيمة بين فيها سبحانه الإسراء، أسري به من مكة على البراق، وهو دابة فوق الحمار ودون البغل، خطوه عند منتهى طرفه، كما أخبر به النبي ﷺ، فركبه هو ، وجبرائيل حتى وصل إلى بيت المقدس، وصلى هناك بالأنبياء؛ ثم عرج به إلى السماء، واستأذن له جبرائيل عند كل سماء، فيؤذن له، ووجد في السماء الدنيا آدم آدم أباه -عليه الصلاة والسلام-، فرحب به وقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، ثم لما أتى السماء الثانية وجد فيها عيسى ويحيى، ابني الخالة، فرحبا به، وقالا: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم عرج به إلى السماء الثالثة فوجد فيها يوسف -عليه الصلاة والسلام-، فرحب به، وقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم عرج به إلى السماء الرابعة فوجد فيها إدريس، فرحب به، وقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فوجد فيها هارون -عليه الصلاة والسلام-، فرحب به، قال: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم عرج به إلى السادسة فوجد فيها موسى -عليه الصلاة والسلام-، فرحب به، وقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فوجد فيها إبراهيم أباه -عليه الصلاة والسلام- هو من ذرية إبراهيم، محمد من ذرية إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- فرحب به إبراهيم، وقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، مثلما قال آدم، مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح؛ ثم عرج به إلى مستوى رفيع، فوق السماء السابعة، سمع فيهن من صريف الأقلام، التي يكتب بها القضاء والقدر، فكلمه الله ، وفرض عليه الصلوات الخمس خمسين، ثم لم يزل يسأل ربه التخفيف، حتى جعلها سبحانه خمسًا، فضلًا منه وإحسانًا، فهي خمس في الفرض، وفي الأجر خمسون، والحمد لله، فضلًا من الله؛ من أهم الدروس والعبر من رحلة الإسراء والمعراج معرفة مكانة المسجد الأقصى في كيان هذه الأمة، فمنه ابتدأ الإسراء، فمن فرط في المسجد الأقصى يوشك أن يفرط في البيت الحرام، فلكل منهما مكانته وقدسيته في نفوس المسلمين، ورحلة الإسراء كانت إيذانا بانتقال القيادة والريادة للأمة الإسلامية قيادة تقوم على الرحمة والعدل لا على الغلبة والقهر، ومن أهم الدروس والعبر من رحلة الإسراء والمعراج معرفة منزلة الصلاة، فهي معراج المسلم إلى ربه سبحانه وتعالى؛ الإسراء هو الرحلة الأرضية التي هيأها الله لرسوله (ﷺ) من مكة إلى القدس.. من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.. رحلة أرضية ليلية، والمعراج رحلة من الأرض إلى السماء، من القدس إلى السموات العلا، إلى مستوى لم يصل إليه بشر من قبل، إلى سدرة المنتهى، إلى حيث يعلم الله عز وجل؛؛ وعندما نتحدث عن أهم الدروس والعبر من رحلة الإسراء والمعراج، يجب أن نقول أن هاتان الرحلتان كانتا محطة مهمة في حياته (ﷺ) وفي مسيرة دعوته في مكة، بعد أن قاسى ما قاسى وعانى ما عانى من قريش. وقد هيأ الله تعالى لرسوله هذه الرحلة، الإسراء والمعراج، ليكون ذلك تسرية وتسلية له عما قاسى، وتعويضاً عما أصابه ليعلمه الله عز وجل أنه إذا كان قد أعرض عنك أهل الأرض فقد أقبل عليك أهل السماء، إذا كان هؤلاء الناس قد صدّوك فإن الله يرحب بك وإن الأنبياء يقتدون بك، ويتخذونك إماماً لهم، كان هذا تعويضاً وتكريماً للرسول (ﷺ) منه عز وجل، وتهيئة له للمرحلة القادمة، فإنه بعد سنوات قيل إنها ثلاث سنوات وقيل ثمانية عشر شهراً (لا يعلم بالضبط الوقت الذي أسري فيه برسول الله ﷺ) إنما كان قبل الهجرة يقيناً؛ كانت الهجرة وكان الإسراء والمعراج إعداداً لما بعد الهجرة، ما بعد الهجرة حياة جهاد سيواجه (ﷺ) العرب جميعاً سيرميه العرب عن قوس واحدة، ستقف الجبهات المتعددة ضد دعوته العالمية. وأهم ما ينبغي أن نركز عليه في ذكرى الإسراء والمعراج أمران، الأمر الأول هو المسجد الأقصى، كيف ربط الله سبحانه وتعالى بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وكيف أعلمنا الله سبحانه وتعالى أن المسجد الأقصى كان مقصوداً، كان يمكن أن يعرج النبي ﷺ من مكة إلى سدرة المنتهى. فلا بد أن ننظر لماذا كان هذا الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لماذا لم يعرج برسول الله (ﷺ) مباشرة من المسجد الحرام إلى السموات العلا؟؛ هذا يدلنا على أن المرور بهذه المحطة القدسية المرور ببيت المقدس، في هذه الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، المرور بالمسجد الأقصى كان مقصوداً، والصلاة بالأنبياء الذين استقبلوا رسول الله (ﷺ) في بيت المقدس، وأنه أمهم، هذا له معناه ودلالته، أن القيادة قد انتقلت إلى أمة جديدة وإلى نبوة جديدة، إلى نبوة عالمية ليست كالنبوات السابقة التي أرسل فيها كل نبي لقومه، هذه نبوة عامة خالدة لكل الناس، رحمة للعالمين، ولجميع الأقاليم ولسائر الأزمان، فهي الرسالة الدائمة إلى يوم القيامة عموم هذه الرسالة وخلودها كان أمراً لا بد منه، وهذه الصلاة بالأنبياء تدل على هذا الأمر، والذهاب إلى المسجد الأقصى، وإلى أرض النبوات القديمة، التي كان فيها إبراهيم، وإسحاق وموسى وعيسى إيذان بانتقال القيادة.. القيادة انتقلت إلى الأمة الجديدة وإلى الرسالة العالمية الخالدة الجديدة؛ هذا الربط بين المسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ليشعر الإنسان المسلم أن لكلا المسجدين قدسيته، فهذا ابتدأ الإسراء منه وهذا انتهى الإسراء إليه، وكأن هذا يوحي أن من فرَّط في المسجد الأقصى يوشك أن يفرِّط في المسجد الحرام، ولو فرَّط في منتهى الإسراء يمكن أن يفرِّط في مبتدأ الإسراء، أراد الله تبارك وتعالى أن يربط بين المسجدين، المسجد الذي ابتدأ منه الإسراء، والمسجد الذي انتهى إليه الإسراء، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أراد الله -سبحانه وتعالى- أن يرتبط في وجدان المسلم هذين المسجدين، المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وأراد الله أن يثبت المسجد الأقصى بقوله الذي باركنا حوله، وصف الله هذا المسجد بالبركة، وهذا قبل أن يوجد مسجد رسول الله (ﷺ)؛ لأن المسجد النبوي لم ينشأ إلا بعد الهجرة في المدينة، فأراد الله أن يوطد هذا المعنى ويثبته في عقول الأمة وقلوبها، حتى لا يفرطوا في أحد المسجدين، من فرط في المسجد الأقصى أوشك أن يفرط في المسجد الحرام، المسجد الذي ارتبط بالإسراء والمعراج، والذي صلى إليه المسلمون مدة طويلة من الزمن، حينما فرضت الصلاة، كان المسلمون يصلون إلى بيت المقدس، كان بيت المقدس قبلتهم، ثلاث سنين في مكة وستة عشر شهراً في المدينة، صلوا إلى هذا المسجد إلى بيت المقدس، كان قبلة المسلمين الأولى، فهو القبلة الأولى، وهو أرض الإسراء والمعراج، وهو المسجد الذي لا تشد الرحال إلا إليه وإلى المسجد الحرام والمسجد النبوي، وبهذا كانت القدس هي المدينة الثالثة المعظمة في الإسلام بعد مكة والمدينة. هكذا ينبغي أن يعي المسلمون أهمية القدس في تاريخهم وأهمية المسجد الأقصى في دينهم، وفي عقيدتهم وفي حياتهم، ومن أجل هذا حرص المسلمون طوال التاريخ أن يظل هذا المسجد بأيديهم، وقد أراد الله تعالى أن يربط هذا المسجد بهذه الذكرى لنظل في كل عام كلما جاءت ذكرى الإسراء في أواخر رجب ويحتفل بها المسلمون في كل مكان ذكرتنا بهذا الأمر الجلل، هذه القضية الخطيرة، هذه القضية المقدسة.. لا يمكن أيها الإخوة أن نفرط فيها، إذا كان اليهود قد حلموا بإقامة دولة واستطاعوا أن يحققوا حلمهم، فعلينا أن نحلم نحن بأننا لا يمكن أن نفرط في مسجدنا حتى وإن رأينا الواقع المر يستسلم هذا الاستسلام، وينهزم هذا الانهزام؛ لا يجوز لنا أن نسير في ركابه منهزمين يجب أن نعتقد أن الله تبارك وتعالى معنا وأن الله ناصرنا وأنه مظهر دينه على الدين كله، وأنه ناصر الفئة المؤمنة، وكما روى الإمام أحمد والطبراني، عن أبي أمامه الباهلي رضي الله عنه أنه ﷺ قال: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس، هذه هي العبرة الأولى من قصة الإسراء والمعراج؛ والعبرة الثانية: وهي عبرة باقية أيضاً هي الصلاة، معروف أن الصلاة فُرِضت في تلك الليلة العظيمة، ولذلك ينبغي أن نذكِّر بهذه الصلاة خصوصاً أن الصلاة لها ارتباط بالمسجد الأقصى لأنه عندما فرضت الصلاة ظل المسلمون بعدها إلى الهجرة يصلون إلى المسجد الأقصى كان هو القبلة الأولى للمسلمين، إذا كان القول الراجح أن الإسراء كان في السنة العاشرة من البعثة فقد ظل المسلمون ثلاث سنوات يصلون إلى القدس، وبعد الهجرة ظلوا ستة عشر شهراً يصلون أيضاً إلى القدس، وهي القبلة الأولى ثم أمر الله أن يولوا وجوههم شطر المسجد الحرام (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره)وقد أثار اليهود في المدينة ضجة حول هذا الأمر (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) وأشاعوا أن صلاة المسلمين في تلك المدة كانت باطلة وضاع أجرها وضاع أثرها ورد الله عليهم ذلك وقال (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم)، (إيمانكم) أي صلاتكم، عبر عن الصلاة بالإيمان لأنها معبرة عن الإيمان؛ فالصلاة هي معراج لكل مسلم.
ولا يزال مسرى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى المبارك حتى اليوم أسيرًا، ومحتلاً في أيدي عصابة مجرمة من اليهود العابثين الغاصبين القتلة المحتلين المجرمين؛ ولذلك يجب على الأمة العربية المسلمة أن تسعى لإرجاعه وتحريره، لأن الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك أمانة في عنق كل مسلم، ويجب بذل الجهد والتضحية بالغالي والنفيس من أجل تحرير فلسطين وتحرير المسجد الأقصى المبارك والذي يتعرض لأخطر مراحل التهويد ومحاولات هدمه!؛ نسأل الله عز وجل أن يعجل بالفرج، وتحرير المسجد الأقصى المبارك، وأن يكتب لنا فيه صلاة قبل الممات، وأن ينتقم من عصابة القتلة المجرمين الصهاينة المعتدين المحتلين أعداء الإنسانية.
الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد أبو نحل
الباحث والكاتب المفكر العربي والإسلامي
رئيس المركز القومي لعلماء فلسطين
والإتحاد العام للمثقفين والأدباء العرب
عضو نقابة اتحاد كتاب وأدباء مصر



