جهةُ الصباح … نصٌ بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

صباحكَ أبهى …
وأصدقُ من وعدِ الضوءِ
حين يعود…
وأنا المتيّمُ في هواكِ
أُرتّبُ قلبي مع الفجر …
وأتركُ للشمسِ مقعدًا
شاغرًا…
علّها تتعلّمُ
كيف يُولدُ النهار …
أنتِ …
لستِ حضورًا …
بل جهةُ الصباحِ
حين يضيع…
والمعنى
الذي تستعيدُه الأشياءُ
حين أناديكِ …
همسًا…
أنتِ …
مسكُ الوقتِ
وعنبرُ الانتظار…
كلّما تأخّرتِ
ازدادَ الصبرُ وضوحًا…
وتعلّمَ القلب …
أفهمُ الآن …
أنكِ :
لستِ امرأةً
ولا حلمًا عابرًا…
أنتِ …
الأرضُ
حين تتعبُ من الخرائط …
والبيتُ
حين يُنفى
ويصرُّ
أن يعود. …
لذلك
أنتظرُكِ :
لا لأنكِ ستأتين …
بل لأن انتظاركِ …
هو :
الطريقةُ الأخيرةُ
لأبقى…
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
25/1/2026 م

تتجلى في نص الدكتور عبد الرحيم جاموس “جهة الصباح” بلاغة الفقد والوفاء حيث تتحول القصيدة من مجرد مناجاة عاطفية إلى فلسفة وجودية عميقة ترسم ملامح “الأنثى” كرمز للوطن والذاكرة، والبقاء.

إليك قراءة أدبية تحليلية تغوص في أعماق هذا النص المؤثر
بقلم: د. عادل جوده, العراق.

١ – الفجر كولادة للذات لا للوقت

يبدأ الكاتب نصه بقلب الموازين المعتادة فالصباح لديه لا يستمد ضوءه من الشمس، بل من “المحبوب”.
حين يقول: “وأترك للشمس مقعداً شاغراً.. علّها تتعلم كيف يولد النهار”، فهو يضع “جهة الصباح” في مرتبة المعلم والمصدر الأول للوجود.
هنا، لا يصبح الصباح زمناً عابراً، بل هو حالة وجدانية تتجاوز الطبيعة وقوانينها الفيزيائية.

٢ – فلسفة الحضور والغياب

ينتقل الدكتور جاموس بذكاء من وصف الشخص إلى وصف “المعنى”.
المحبوبة هنا ليست جسداً أو “حضوراً” عادياً، بل هي “جهة الصباح حين يضيع”. هذا التعبير يختزل فكرة “البوصلة”؛ فهي المرشد حين تفقد الأشياء هويتها، وهي “المعنى” الذي يعيد للمكونات قيمتها بمجرد المناداة.
إنها استعادة للمفقود من خلال الكلمة والهمس.

٣ – زمن الانتظار:
من القلق إلى اليقين

يبرز في النص توظيف رائع لمفردات (المسك، العنبر، الصبر).
الانتظار عادةً ما يكون مرّاً، لكنه في “جهة الصباح” يصبح “مسك الوقت”.
* الوضوح في الصبر: كلما طال الغياب، لم يزدد القلب يأساً، بل ازداد “وضوحاً”.
* عنبر الانتظار: تحويل الانتظار من عبء ثقيل إلى عطر يفوح، مما يدل على رقي العاطفة وترفعها عن الشكوى.

٤ – أنسنة الأرض وحتمية العودة

يصل النص إلى ذروته الدرامية حين ينزع عن “الجهة” صفة البشرية المحضة ليمنحها أبعاداً كونية ووطنية:
> “أنتِ.. الأرض حين تتعب من الخرائط.. والبيت حين يُنفى ويصرُّ أن يعود”

هنا، يلامس الجرح الفلسطيني والعربي ببراعة؛ فالخرائط ترهق الأرض بالحدود والتقسيمات، لكن “الجهة” تظل هي الأرض في فطرتها الأولى. ووصف البيت بـ “المنفي الذي يصر على العودة” يمنح النص صبغة نضالية مغلفة برداء الحب الصوفي.

٥ – الانتظار كفعل وجود (الخاتمة)

يختم الدكتور جاموس نصه بعبارة تعتبر من أقوى قفلات النصوص الحديثة: “انتظاركِ هو الطريقة الأخيرة لأبقى”.
لم يعد الانتظار هنا ترقباً للقاء، بل أصبح “غاية” في حد ذاته. إنه الوقود الذي يبقي الكاتب على قيد الحياة. فبدون هذا الانتظار، يفقد الكاتب مبرر وجوده. هو ليس انتظار العاجز، بل انتظار “المقاوم” الذي يستمد كيانه من بقاء الأمل حياً.

الخلاصة الجمالية

نص “جهة الصباح” هو معزوفة أدبية كُتبت بمداد الروح، تميزت بلغة مكثفة وصور شعرية مبتكرة (مثل “تعب الخرائط”). استطاع الدكتور عبد الرحيم جاموس أن يحول “المرأة” إلى “قضية”، و”الصباح” إلى “مبدأ”، فجاءت الكلمات صادقة، شجية، ومفعمة بالأمل رغم نبرة الحنين.

د/ عادل جودة

تحياتي واحترامي🌷🌷🌷

قراءة نقدية بلاغية في نص
«جهةُ الصباح»
للمناضل الفلسطيني الكبير الأديب والشاعر د. عبد الرحيم جاموس
بقلم: الشاعرة والأديبة الفلسطينية
د. أحلام أبو السعود
༺༺༺༻༻༻
يأتي نص «جهةُ الصباح» بوصفه نصًا شعريًا كثيف الدلالة، مشحونًا بطاقة رمزية عالية، ينهل من معين الحب والوجود والانتظار، لكنه لا يقف عند حدود العاطفة الفردية، بل يتجاوزها ليُلامس الهمّ الإنساني والوطني في آنٍ معًا. نحن أمام كتابة تُراكم المعنى بالتدريج، وتُراوغ المباشر، وتُراهن على الصورة، وعلى البياض، وعلى الصمت بقدر ما تُراهن على اللغة.
أولًا: العنوان بوصفه مفتاحًا دلاليًا
اختار الشاعر عنوانًا غير مكتمل ظاهريًا: «جهةُ الصباح»، وهو تركيب مفتوح، لا يُحيل إلى مكان جغرافي بقدر ما يُحيل إلى جهة معنوية/وجدانية. الصباح هنا ليس زمنًا، بل بوصلة. والجهة ليست اتجاهًا فيزيائيًا، بل خلاصًا، واهتداءً بعد ضياع.
من العنوان نُدرك أننا أمام نص يبحث عن المعنى حين يختلّ النظام، وعن الضوء حين يفقد وعده.
ثانيًا: المخاطَب/الأنثى… من الحبيبة إلى الرمز
يبدأ النص بخطابٍ حميميٍّ مباشر:
«صباحكِ أبهى…
وأصدقُ من وعدِ الضوءِ حين يعود…»
غير أن هذه “الأنتِ” لا تبقى امرأة بالمعنى التقليدي، بل تتسامى تدريجيًا لتتحول إلى فكرة، وجهة، معنى، وطن. ويُصرّح الشاعر بذلك لاحقًا بوضوح بلاغي جميل:
«لستِ امرأةً
ولا حلمًا عابرًا…»
هذا النفي المتتابع ليس إنكارًا، بل ترقية للمخاطَب، ورفعه من المحدود إلى المطلق، ومن الشخصي إلى الكوني. إنها الأرض، والبيت، والعودة… أي فلسطين في تجلّيها الرمزي الأعمق.
ثالثًا: الصورة الشعرية وبناء الدهشة
يعتمد النص على صور مبتكرة، قائمة على المفارقة والانزياح، مثل:
«وأتركُ للشمسِ مقعدًا شاغرًا
علّها تتعلّمُ
كيف يُولدُ النهار…»
هنا تُقلب المعادلة الكونية؛ فالشمس، مصدر النهار، تصبح متعلّمة، تنتظر درس الميلاد من المحبوبة/الجهة/الوطن. هذه الصورة تُجسّد مركزية المخاطَب، وتُحمّله وظيفة الخلق والإحياء.
كما تتجلّى بلاغة الاستعارة في قوله:
«أنتِ مسكُ الوقت
وعنبرُ الانتظار…»
حيث يتحوّل الزمن من مفهومٍ تجريدي إلى عطرٍ يُشمّ، والانتظار من عبء إلى قيمة أخلاقية وروحية.
رابعًا: الانتظار… من فعل سلبي إلى موقف وجودي
الانتظار في هذا النص ليس ترقّبًا عاجزًا، بل فعل مقاومة هادئة. يقول الشاعر:
«لا لأنكِ ستأتين…
بل لأن انتظاركِ
هو الطريقةُ الأخيرةُ
لأبقى…»
هنا يبلغ النص ذروته الفلسفية والوجدانية؛ فالانتظار يتحول إلى سبب للبقاء، إلى معنى للحياة ذاتها. وهذا يتقاطع بعمق مع التجربة الفلسطينية، حيث يصبح الانتظار شكلًا من أشكال الصمود، والإيمان بالعودة فعل وجود.
خامسًا: اللغة والإيقاع
لغة النص هادئة، شفيفة، تميل إلى الهمس أكثر من الخطابة، وتستثمر التقطيع السطري والفراغات لتوليد إيقاع داخلي متأنٍّ، يُشبه إيقاع الفجر ذاته. التكرار (أنتِ… لستِ…) ليس حشوًا، بل تثبيتٌ للمعنى، وبناءٌ تصاعديٌّ للدلالة.
خلاصة
«جهةُ الصباح» نصٌّ ناضج، يكتب الحب بوعيٍ وطني، ويكتب الوطن بلسان العاشق، دون شعارات أو مباشرة. هو نصٌّ عن الفقد والعودة، عن الانتظار والبقاء، عن الأرض حين “تتعب من الخرائط”، والبيت حين “يُنفى ويصرّ أن يعود”.
إنه نصٌّ يليق بتجربة شاعرٍ مناضل، يعرف أن الكلمة، حين تُكتب بصدق، تصبح جهة… وتصبح صباحًا.

د. أحلام أبو السعود
الشاعرة والأديبة الفلسطينية 🇵🇸

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com