في اليوم العالمي للتعليم , كيف نعيد التعليم في غزة لطبيعته ؟.. كتب د. هاني العقاد

لم تستهدف الحرب الوحشية علي الفلسطينيين في غزة الإنسان والحجر والشجر وإنما استهدفت كل ما يتيح للإنسان  الفلسطيني في غزة الاستمرار في الحياة وامعنت في مصادرة كافة حقوقه الأساسية وأهمها الحق في الحياة والحصول على العلاج المناسب والتعليم  في كافة مراحل التعليم بدء من دور الحضانة و التعليم الأساسي وانتهاء بالتعليم الجامعي ، دمرت إسرائيل خلال هذه الحرب الوحشية أكثر من 85٪ من مباني القطاع وكل أشكال الحياة المدنية والطرقات والشوارع حتى أن هناك مدن بأكملها سحقت كرفح وخانيونس وجباليا وبيت حانون وبيت لاهيا ومنطقة الشجاعية و الزيتون وبالتالي دمرت كافة المؤسسات التعليمية فيها سواء كانت مدارس أو رياض أطفال أو جامعات بالإضافة إلى المساجد. إنها حرب إبادة بكل تفاصيلها دارت على مدار عامين وأكثر ومازالت لم تنتهي حتى الآن بل تدخل فصولا اخري من خلال منع كل أدوات التي تساعد الفلسطينيين على التعافي والعودة للحياة الطبيعية برغم حالة الدمار الكبيرة .

٧١ ألف مواطن فلسطيني استشهدوا خلال هذه الحرب أكثر من نصفهم أطفال ونساء وبالتالي فإن ما بين ١٤ إلى ٢٨ ألف طالب قتلوا في هذه الحرب وهناك ٢٥ ألف إعاقة لأطفال دون سن الخامسة عشرة أي في سن التعليم الأساسي وهناك أكثر من ١٢٠٠ معلم ارتقوا بفعل هذه الحرب المجرمة وبهذا تكون الحرب نالت من عناصر العملية التعلمية  الكثير . أما على صعيد المدارس فقد هدمت إسرائيل ٢٠٤ مؤسسة تعليمية منها ١٩٠ مدرسة و ١٤ جامعة وتضرر ٣٠٥ مؤسسة أخرى منها ٢٩٣ مدرسة و١٢ جامعة ، لم يقف الحد عند هذا فقد دمرت إسرائيل العديد من المراكز الثقافية والتعليمية والمتاحف والمكتبات التي كانت تقدم خدمات التعليم المساند الآلاف من الطلاب وحرمان الكثيرين من البحث العلمي بعد إحراقها عنوة المكتبات الجامعية وغيرها في المراكز الثقافية.

هكذا حرم الاحتلال أكثر من ستمائة ألف طالب من التعليم الأساسي فقط بخلاف التعليم الثانوي والجامعي  فلم يعد هناك مدارس يلتحقوا بها والمدارس التي سلمت باتت مراكز إيواء للناس الذي باتوا بلا بيوت  سواء كانت مدارس حكومية أو مدارس تابعة الأونروا، كما وحرمت الحرب  عشرات آلاف من الطلاب الجامعيين من استكمال تعليمهم الجامعي  لان معظم الجامعات دمرت في القطاع  ومن لم يدمر تضرر إلا أن المسيرة لم تتوقف ولم يفلح الاحتلال بوقف المسيرة التعليمية والتربوية فقد استمر التعليم في بداية الحرب إلكترونيا بنسبة منخفضة وخلال العام الأول ,أما خلال العام الثاني بدأت المنظمات والجمعيات و وزارة التربية تنشئ مدارس محدود الفصول الدراسية في مناطق النزوح، مدارس من خيام بدون أثاث ولا سبورات ولا قرطاسية ولا كتب مدرسية وتم استيعاب الآلاف من الطلاب لكن بدون دوام كلي فقد تم التركيز على حد أدنى من التعليم الأكاديمي والتربوي لأربعة مباحث فقط اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم إلا أن الملاحظ أن التعليم الثانوي للذكور خاصة غير مرضي والقليل من الطلاب توفر لهم مدارس وهذا خطر داهم ما يعني أن نسبة التسرب من المدارس سوف تكون مرتفعة خلال هذه المرحلة والمرحلة القادمة.وسوف تكون له تداعيات كبيرة على سلامة المجتمع الفلسطيني .

انتبه النشطاء التربويون إلى موضوع إنشاء نقاط تعليمية بجهد ذاتي وشعبي ونجحت إلى حد ما لكن لا توفر فصول دراسية مناسبة لكل الطلاب ،فالطلاب يجلسون على الأرض والقليل القليل وجد مقاعد دراسية في ظل منع الاحتلال المنظمات الدولية من العمل في غزة والضفة وتقديم المساعدة لاستعادة المسيرة التربوية والعمل على ضمان استمراريتها.

وهنا لابد من أن نتساءل كيف نعيد التعليم في غزة إلى طبيعته؟  في ظل هذه الحياة المعقدة والأوضاع الصعبة لشعبنا وفي ظل عدم وجود مدارس وبقاء اكثر من مليون ونصف مواطن في مخيمات النزوح التي تفتقر لأبسط مقدرات الحياة الكريمة, والحقيقة هذا السؤال إجابته تستدعي تضافر الجهود على المستويين الحلي و الدولي و تستدعي جهد دولي وعربي كبير لتحقيق التعافي المبكر لكثير من القطاعات التي تقدم الخدمات المجتمعية وأهمها الرعاية الصحة والتعليم لكن هذا لا يعني الاستسلام والانتظار فكما استطاع التربويون من شعبنا النهوض من جديد وبناء وإنشاء نقاط تعليمية متعددة يمكن أن نوجه دعوات بزيادة هذه النقاط بحيث تغطي كافة مناطق النزوح ، كما وأن اعتماد التعليم الشعبي في مناطق النزوح عبر نظام الرزم التعليمي وإنشاء فصول في كل مخيم ومركز إيواء فان من شأنه أن يخفف من الضغط على النقاط التعليمية ويستوعب هذا بالإضافة إلى اعتماد مراكز الدعم الدراسي لكل الطلاب الذين فإنهم الكثير وتسربوا رغما عنهم بسبب الحرب أو حتى الطلاب بطيئ التعلم. إن الاحتياج للتعليم بات كبيرا لتعويض الفاقد التعليمي التراكمي وإذا ما عملنا كخلايا تربوية من معلمين ومشرفين وخبراء فإننا في زمن قياسي سوف نعوض أبناءنا الطلاب الكثير مما فقدوه بسبب الحرب.

إن انتظار المجتمع الدولي لتقديم المساعدة قد يطول في ظل منع الاحتلال فتح المعابر وإدخال الأثاث المدرسي والقرطاسية وإن لم يبادر الخبراء والأكاديميون بالعمل كشركاء مع وزارة التربية فإن التعليم في غزة لن يتعافى بسهولة وخلال وقت قصير وخاصة أن الاحتلال مازال يسيطر على أكثر من ٥٤٪ من مساحة القطاع فيما يسمى ما وراء الخط الأصفر, وهنا لابد من خطة يختص الخبراء في إدارة البرامج البديلة والمتخصصين في إدارة التعليم وقت الازمات والخبراء في حالات تخفيف الضغط النفسي وتعافي المجتمعات المصدومة أن يبادروا لعقد جلسات ولقاءات عصف فكري لوضع  خطة شاملة لإعادة التعليم في غزة لطبيعته و بالتالي تقديمها الي اللجنة الوطنية لإدارة القطاع  للعمل على تنفيذها بالشراكة مع طاقات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية . في اليوم العالمي للتعليم تتطلع عيوننا إلى تحقيق تعليم وجاهي كامل وليس جزئي ونتطلع  للتغلب على كل المعيقات التي تحول بين إعادة التعلمي لسابق عهده وبالتالي القضاء على نسبة التسرب التعليمي  حتى لو تخفيضها على الأقل لتصبح نسبة عادية كما في المجتمعات المجاورة حتى لو تطوع كل من يحمل شهادة جامعية للعمل لأن المسؤولية  اليوم بعد استهداف مجتمعنا وحياته في غزة أصبحت مشتركة ليس على وزارة التربية كجهة رسمية ممثلة من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية  بل المسؤولية تقع على عاتق الطاقات المثقفة في المجتمع و الخبرات التربوية المختلفة والحريصة على إنقاذ هذه الأجيال من براثن الجهل الذي أراد الاحتلال صناعته من خلال هذه الحرب الوحشية.

Dr.hani_analysisi@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com