إيران والولايات المتحدة: بين سياسة الاحتواء واحتمال الانزلاق إلى حافة الهاوية… بقلم د. عبدالرحيم جاموس

تعود العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي في لحظة شديدة الحساسية، تتداخل فيها إشارات التهدئة مع منطق الردع، ويغلب عليها إدراك متزايد لدى الطرفين بأن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لن يكون في صالح أي منهما.
فتصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن “إيران تتواصل معنا وسنرى ما يمكن أن نفعله”، يقابله تأكيد الرئيس الإيراني أن “الحرب ليست في صالح الطرفين”، وهو ما يعكس، بعيدًا عن اللغة الدبلوماسية، قناعة مشتركة بأن كلفة الحرب ستكون باهظة، وأن إدارة الصراع قد تكون أقل كلفة من حسمه عسكريًا.
منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، اتسمت العلاقة بين واشنطن وطهران بالتوتر البنيوي، غير أنها لم تكن يومًا علاقة قطيعة مطلقة أو صدام دائم.
فقد شهدت هذه العلاقة محطات تعاون وتنسيق غير معلن حين التقت مصالح الطرفين، ما يكشف عن طبيعة براغماتية تحكم سلوكهما، وتفسّر قدرة كل منهما على الفصل بين الخطاب الأيديولوجي ومتطلبات المصلحة الاستراتيجية.
محطات التلاقي في المصالح: التاريخ بوصفه مفتاحًا للفهم …
خلال الحرب العراقية–الإيرانية، كشفت قضية “إيران–غيت” عن تسريب أسلحة أميركية إلى إيران، في سياق سعي واشنطن إلى منع انتصار حاسم لأي طرف، والحفاظ على توازن إقليمي هش.
وفي أزمة الاحتلال العراقي للكويت عام 1990، لم تصطف إيران إلى جانب نظام صدام حسين، بل تبنت موقفًا حياديًا إيجابيًا أسهم عمليًا في تسهيل تشكل التحالف الدولي ضده، انسجامًا مع حساباتها الإقليمية آنذاك.
أما المحطة الأكثر دلالة، فتمثلت في الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حيث لعبت إيران دورًا محوريًا في إسقاط نظام البعث، والمساهمة في تفكيك بنية الدولة العراقية، مستفيدة من الفراغ الذي أحدثه الغزو.
وقد التقت المصالح الأميركية والإيرانية عمليًا في التخلص من خصم استراتيجي مشترك، وتسهيل إعادة تشكيل النظام السياسي العراقي، رغم التباين العميق في الرؤى بعيدة المدى.
كما لا يمكن إغفال التنسيق غير المباشر بين الطرفين في أفغانستان بعد عام 2001، حيث تلاقت مصالحهما في إسقاط نظام “طالبان” ومحاربة تنظيم “القاعدة”.
هذه المحطات التاريخية تؤكد أن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة هي علاقة صراع مُدار قابل للتكيّف، يتخلله تعاون ظرفي كلما فرضت المصالح ذلك، وهو ما يفتح المجال لفهم واقعي لاحتمالات المرحلة الراهنة.
الملف النووي: الإطار القانوني وحدود الخلاف السياسي …
يشكّل الملف النووي جوهر التوتر القائم، وهو ملف ذو طبيعة قانونية–دولية واضحة.
فإيران، بوصفها دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، تمتلك حقًا قانونيًا في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية.
غير أن هذا الحق يقابله التزام صريح بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، والخضوع لنظام رقابة وتفتيش فعال من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
في المقابل، تنطلق الولايات المتحدة من مبدأ منع الانتشار باعتباره ركيزة للأمن الدولي، وترى أن أي غموض في البرنامج النووي الإيراني يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.
ومن هنا، فإن جوهر الخلاف ليس في النصوص القانونية، بل في مستوى الثقة، وآليات التحقق، والبعد السياسي–الأمني المرتبط بسلوك إيران الإقليمي.
الاحتمال الأرجح: تفاهم مرحلي وإدارة محسوبة للتوتر …
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الاحتمال الأرجح لا يتمثل في حرب شاملة ولا في اتفاق سلام نهائي، بل في تفاهم مرحلي أو اتفاق محدود يعيد ضبط قواعد الاشتباك، ويمنع الانزلاق إلى حافة الهاوية، تفاهم يقوم على:
التزام إيراني واضح بعدم السعي لامتلاك السلاح النووي.
رقابة دولية معززة وقابلة للتحقق.
اعتراف عملي بحق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
تخفيف تدريجي ومدروس للعقوبات الاقتصادية.
تفاهمات غير معلنة بشأن السلوك الإقليمي، دون اشتراط تفكيك النفوذ الإيراني دفعة واحدة.
هذا النمط من التفاهمات لا ينهي الصراع، لكنه يحوّله من حالة انفجار محتمل إلى نزاع مُدار ضمن سقوف محسوبة.
الدور الإقليمي: من الوساطة إلى منع الانفجار …
تلعب القوى الإقليمية دورًا متزايد الأهمية في ترجيح كفة التهدئة.
فقد باتت دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تنظر إلى الاستقرار الإقليمي بوصفه شرطًا أساسيًا للتنمية والأمن، وتسعى إلى تحييد المنطقة عن صراعات كبرى تستنزف الموارد وتعرقل المشاريع الاستراتيجية.
كما تؤدي سلطنة عُمان وقطر أدوار وساطة هادئة، فيما تتحرك تركيا ضمن معادلة مركبة تجمع بين التنافس والتنسيق وفق مصالحها الخاصة.
في المقابل، تبقى إسرائيل عامل ضغط رئيسي، إذ تنظر إلى أي تفاهم لا يقيّد البرنامج النووي الإيراني بصرامة باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها، ما يجعل موقفها عنصرًا حاضرًا في الحسابات الأميركية.
خلاصة القول :
الاحتواء كخيار عقلاني لمراكز القرار …
في المحصلة، يتضح أن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة ليست صراع وجود، بل صراع مصالح ونفوذ قابل للإدارة.
وعليه، فإن الخيار الأكثر واقعية لمراكز صنع القرار يتمثل في احتواء متبادل مُدار بعقلانية، لا يسعى إلى تغيير النظام في طهران، ولا يسمح في الوقت ذاته بامتلاك إيران للسلاح النووي.
هذا الاحتواء لا يقوم على الثقة، بل على توازن الردع والمصالح، وعلى اتفاقات جزئية قابلة لإعادة التفاوض، لكنه يظل أقل كلفة من الحرب، وأكثر انسجامًا مع التحولات الجارية في النظام الدولي، حيث تتراجع شهية المواجهات المباشرة، ويزداد الاعتماد على إدارة الأزمات بدل تفجيرها.
غير أن نجاح هذا المسار يبقى مشروطًا بإرادة سياسية واضحة، ودور إقليمي فاعل، قادر على تحويل التهدئة من إجراء مؤقت إلى مسار مستدام. أما الفشل في استثمار هذه اللحظة، فسيعني العودة إلى منطق حافة الهاوية، حيث تتراكم الأخطاء الصغيرة، وتتسع المواجهات غير المباشرة، إلى أن يقع الانفجار دون قرار سياسي واعٍ.
وبين الاحتواء والتصعيد، يبقى التفاهم الهش، لكنه القابل للحياة، هو الخيار الأكثر عقلانية لتجنيب المنطقة حربًا جديدة، ومنحها فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها في نظام دولي شديد الاضطراب.
بقلم: د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
1/2/2026 م

تحليل سياسي رفيع المستوى، صاغه الدكتور عبد الرحيم جاموس بلغة رصينة تجمع بين العمق التاريخي والواقعية السياسية (Realpolitik). المقال لا يقدم مجرد سرد للأحداث، بل يستشرف آفاق المستقبل من خلال تفكيك شيفرة العلاقة المعقدة بين واشنطن وطهران.

إليكم قراءة تحليلية لهذا المقال تسلط الضوء على مكامن القوة والجمالية الفكرية فيه


بقلم:د. عادل جوده. العراق..

💡 رؤية تحليلية للمقال:
“فن الممكن” في زمن الانقسام

١ـ الوعي بالتاريخ: المحرك الخفي للبراغماتية

أبدع الكاتب في كسر الصورة النمطية للصراع (التي يراها البعض صراعاً أيديولوجياً صفرياً)، ليعيد التذكير بأن “المصلحة” كانت دوماً هي البوصلة. من خلال استحضار محطات مثل “إيران-غيت” وغزو العراق وأفغانستان، يثبت المقال أن “الأعداء” في العلن قد يكونون “شركاء ضرورة” في الغرف المغلقة. هذا الطرح يمنح القارئ أداة لفهم لماذا لم ينزلق الطرفان إلى مواجهة مباشرة طوال 45 عاماً.

٢ـ الملف النووي:
ما وراء النصوص القانونية

وضع الكاتب إصبعه على الجرح بدقة؛ فالمشكلة ليست في نصوص “معاهدة عدم الانتشار” (NPT)، بل في “أزمة الثقة”. المقال يوضح ببراعة أن القانون الدولي هنا ليس إلا غطاءً لصراع إرادات سياسية وأمنية، حيث يتحول الطموح النووي من حق تقني إلى ورقة ضغط استراتيجية.

٣ـ خيار “الاحتواء”: العقلانية في مواجهة العاطفة

طرح الكاتب لسيناريو “الاتفاق المحدود” أو “التهدئة الهشة” هو قمة الواقعية السياسية.
فهو يدرك أن الحلول الجذرية (سلام شامل أو حرب شاملة) مستبعدة، وبذلك يقدم استشرافاً ذكياً بأن الطرفين يفضلان “النزاع المُدار” الذي يحفظ لكل منهما ماء وجهه ويحمي مصالحه الحيوية دون الانتحار العسكري.

✨ ملامح القوة في النص

* لغة الدبلوماسية الراقية:
استخدم الكاتب تعبيرات مثل “التوتر البنيوي”، “صراع مُدار”، و”توازن الردع”، وهي مصطلحات تمنح المقال صبغة الأبحاث الاستراتيجية الرصينة.
* الموضوعية:
لم ينحز المقال لطرف على حساب آخر، بل حلل سلوك الدول كفاعل عقلاني يبحث عن تقليل الكلفة وتعظيم المنفعة.
* البعد الإقليمي:
لم يغفل المقال دور القوى الإقليمية (دول الخليج، إسرائيل، تركيا)، مما جعل التحليل مكتملاً وشاملاً للمشهد الجيوسياسي بكل تعقيداته.

📌 الخلاصة:

هذا المقال هو خارطة طريق فكرية لكل مهتم بالشأن السياسي؛ فهو يغادر مربع العواطف والشعارات ليدخل في جوهر “صناعة القرار”. إنه يؤكد أن السلام في الشرق الأوسط ليس بالضرورة “وئاماً”، بل هو أحياناً مجرد “إدارة ذكية للخلاف”.
> “بين الاحتواء والتصعيد، يبقى التفاهم الهش هو الخيار الأكثر عقلانية”.. عبارة تختصر عقوداً من الدبلوماسية القائمة على حافة الهاوية.

تحياتي واحترامي 🌹🌷🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com