صرخةُ الـمَتنِ المكسور وقصيدةُ الحقِّ التي لا تموت

قراءة نقدية وبلاغية شاملة في نص (طرقتُ بابَ العالمِ) للأديب د. عبدالرحيم جاموس
༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻
بقلم: الشاعرة والأديبة الفلسطينية/ أحلام أبو السعود
༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻
حين يكتب المناضل والأديب الفلسطيني الكبير الدكتور عبد الرحيم جاموس، فإنه لا يسكب حبراً، بل يقطر وجعاً يسكن النخاع، ويصيغ من تنهيدة غزة وأنين رفح مرثيةً كبريائية عابرة للحدود والوجدان. في نصّه الأخير “طرقتُ بابَ العالمِ”، نحن أمام “وثيقة إبداعية” تؤرخ لزمن الصمت الكوني، وتعلن انتصار الذاكرة على المحو.
🔍 أولاً: البنية البلاغية والبيانية (متحف الوجع) 🏛️
اعتمد الشاعر لغةً انزياحية حوّلت الجمادات إلى كائنات ناطقة، متبعاً أساليب بلاغية رفيعة:
الاستعارة المكنية والتشخيص: * في قوله “يرتدّ الصوتُ يتيماً”، شخّص الشاعر الصوت الفلسطيني كطفلٍ فقدَ أبويه (الاستجابة والعدل)، ليعود خائباً من “جدرانٍ لا تسمع”.
وفي قوله “يفرشنَ الليلَ بدعاءٍ مرتجف”، حوّل الليل من زمن إلى “بساط”، والدعاء من كلام إلى “فراش”، وفي وصفه بـ “المرتجف” كناية عن شدة الوجد والاضطرار.
أما “الأذن التي تختار الصمت”، فهي إدانة بلاغية شديدة للتعامي المتعمّد، حيث جعل للأذن إرادة وقراراً في التجاهل.
الكنايات العميقة:
“تكسّرَ متني”: كناية عن بلوغ أقصى درجات الإعياء والجهد في محاولة استنهاض ضمير العالم دون جدوى.
“شيوخٌ بلا عصا… إلا الذاكرة”: كناية عن فقدان السند المادي، مع استبداله بـ “الذاكرة” كقوة معنوية صلبة تمنع الاندثار.
“بعينٍ مغمضة”: كناية عن التجاهل القسري للحقائق الواضحة كالشمس.
الابتكار في التشبيه والرمز:
“وسادة السؤال”: صورة مبتكرة حوّلت “القلق” إلى شيء ملموس ينام عليه الأطفال، وهي استعارة تبرز براءةً اغتصبها التساؤل المرير عن “لماذا؟”.
“الحقُّ واقفًا كقصيدةٍ لا تموت”: تشبيه بليغ يرفع قدر “الكلمة” لتكون مساوية لـ “الحق” في الخلود والثبات.
🎼 ثانياً: جغرافيا الألم وبلاغة المكان 🗺️
لم تكن (غزة، خان يونس، رفح) في النص مجرد إحداثيات، بل كانت أبطالاً تراجيديين:
رفح والخرائط: بقوله “مُسِحَ اسمُها عن خرائطِ البيوت.. وبقي على شفاهِ الأطفال”، يقدم الشاعر ثنائية مذهلة بين (المحو المادي) و(الخلود الشفهي). فالعدو يهدم البيوت، لكن الصغار يعيدون بناءها في الكلام.
الخيمة والسقف: استطاع الشاعر إعادة تعريف “المفردات”، فأصبحت الخيمة هي “آخر ما تبقى من معنى السقف”، في إشارة إلى ضياع مفهوم الأمان العالمي والمنزلي.
❄️ ثالثاً: فلسفة “البرد” والقطيعة مع الآخر ⚖️
في لفتة فلسفية عميقة، يقول الشاعر: “والبردُ ليس طقسًا، بل اسمٌ آخرُ للعالمِ حين يديرُ وجهه”. هنا ينتقل “البرد” من حالة مناخية إلى حالة أخلاقية، ويتحول “العالم” من كيان بشري إلى “كتلة جليدية” من الصمت. هذا التحول البنائي يقود النص من “فعل الطرْق” (محاولة التواصل) في البداية، إلى “فعل الاستغناء” (لكم الله) في النهاية، وهي قطيعة أدبية تعلن اكتفاء الفلسطيني بيقينه الروحي.
🎼 رابعاً: التحليل الصوتي والموسيقي
إيقاع الحشرجة: يطغى حرف (الحاء) في (حياة، حناجر، رفح، حقيقة، حق)، وهو حرف حلقي يعكس ضيق الأنفاس وقوة الاحتجاج.
بناء القصيدة: الجمل القصيرة والمكثفة منحت النص سرعة درامية، تجعل القارئ يشعر بتلاحق الأنفاس وقسوة اللحظة التي لا تحتمل الزخرف.
🌟 الخاتمة النقدية
لقد نجح الدكتور عبد الرحيم جاموس في تحويل “العراء” إلى “قلب”، و”السؤال” إلى “وسادة”، مقدماً نصاً يجمع بين رصانة الأديب وثورية المناضل. إنه نصٌّ شاهد، سيبقى في ذاكرة الأدب الفلسطيني كنشيد وفاء للأرض والإنسان، وكقصيدة حقٍّ لا تموت. 🇵🇸❤️🕊️
تم التحليل والنقد بمداد الفخر والاعتزاز أحلام أبو السعود 1/2/2026 م

طرقتُ بابَ العالمِ…
نصٌ بقلم :د. عبدالرحيم جاموس
طرقتُ بابَ العالمِ…
حتى تكسّرَ متني،
ولا بابَ فُتِح…
صرختُ :
بأعلى ما في الحناجرِ من حياة،
فارتدّ الصوتُ …
يتيمًا
بين جدرانٍ لا تسمع…
من غزّةَ جاء النداء،
ومن خان يونس،
ومن رفحَ التي مُسِحَ اسمُها …
عن خرائطِ البيوت
وبقي على شفاهِ الأطفال…
شيوخٌ بلا عصا…
إلا الذاكرة،
نساءٌ يفرشنَ الليلَ …
بدعاءٍ مرتجف،
وأطفالٌ ينامونَ …
على وسادةِ السؤال:
لماذا؟
الخيامُ ليست بيوتًا،
لكنها آخرُ ما تبقّى …
من معنى السقف،
والبردُ ليس طقسًا،
بل اسمٌ آخرُ …
للعالمِ حين يديرُ وجهه…
هل أصابَ الناسَ صمم …؟
أم أن الضجيجَ الكاذب …
أعلى من الحقيقة…؟
كأنهم يرونَ بعينٍ مغمضة،
ويسمعونَ بأذنٍ …
تختارُ الصمت…
يا أهلَ غزّة،
يا من تقيمونَ في العراء …
وتسكنونَ القلب،
لكم الله…
حين تُغلقُ الأبواب،
ويُنفى الصوت،
ويبقى الحقُّ …
واقفًا
كقصيدةٍ
لا تموت….!
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
1/2/2026 م



