أهمية تعزيز السلم الأهلي والاجتماعي من منظور قانوني وقيمي.. شرين الناجي

دراسة في دور منظومة القيم، ومدونات السلوك، والتوعية المجتمعية

مقدمة

يمثل السلم الأهلي والاجتماعي أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار الدول والمجتمعات، وشرطًا لازمًا لسيادة القانون والتنمية المستدامة واحترام حقوق الإنسان. فغياب السلم الأهلي لا يهدد فقط الأمن العام، بل يقوض الثقة بالمؤسسات، ويضعف الشرعية القانونية، ويفتح المجال أمام العنف المجتمعي والانفلات السلوكي.

وتكمن خطورة المرحلة الراهنة في أن التهديدات التي تطال السلم الاجتماعي لم تعد ناتجة فقط عن النزاعات المسلحة، بل باتت تنشأ من تفكك منظومة القيم، وتراجع الالتزام الأخلاقي، وضعف ثقافة المساءلة، وانحراف السلوك الفردي والمؤسسي.

وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى بيان أهمية تعزيز السلم الأهلي والاجتماعي من خلال ثلاث ركائز مترابطة:

تعزيز منظومة القيم الاجتماعية.

احترام وتفعيل مدونات السلوك داخل المؤسسات.

إعادة ترسيخ القيم الأخلاقية، بما فيها القيم الإسلامية، عبر التوعية المجتمعية وتصحيح السلوك.

أولًا: السلم الأهلي والاجتماعي في الإطار القانوني

من منظور قانوني، يُعرّف السلم الأهلي بأنه حالة من الاستقرار المجتمعي تقوم على احترام القانون، والاحتكام إلى المؤسسات، ونبذ العنف، وضمان المساواة أمام القانون. وقد كرّست معظم الدساتير الحديثة هذا المفهوم من خلال:

حماية النظام العام والآداب العامة.

تجريم خطاب الكراهية والتحريض على العنف.

ضمان الحق في الأمن الشخصي والكرامة الإنسانية.

كما أن القانون الدولي لحقوق الإنسان ربط بشكل مباشر بين السلم الاجتماعي واحترام الحقوق الأساسية، معتبرًا أن أي إخلال بالعدالة الاجتماعية أو انتشار التمييز والإقصاء يشكل تهديدًا مباشرًا للسلم الأهلي.

غير أن القانون، رغم أهميته، لا يعمل في فراغ، إذ يبقى عاجزًا عن تحقيق السلم المجتمعي ما لم يُسند بمنظومة قيم أخلاقية وسلوكية تحكم تصرفات الأفراد والمؤسسات.

ثانيًا: تعزيز منظومة القيم الاجتماعية كحاضنة للسلم الأهلي

تشكل القيم الاجتماعية الإطار الناظم للسلوك العام، وهي التي تحدد المقبول والمرفوض في الوعي الجمعي. ومن أبرز القيم المؤثرة في السلم الأهلي:

العدالة والإنصاف.

الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف.

المسؤولية الاجتماعية.

التضامن والتكافل.

إن تراجع هذه القيم يؤدي إلى تصاعد الفردانية، وانتشار العنف اللفظي والمادي، وتآكل الثقة بين مكونات المجتمع. ومن هنا، فإن تعزيز منظومة القيم لا يُعد شأنًا أخلاقيًا مجردًا، بل هو ضرورة قانونية وسياسية لضمان فاعلية النصوص القانونية واستقرار المجتمع.

ثالثًا: مدونات السلوك في المؤسسات ودورها في ضبط المسلكية

تُعد مدونات السلوك الوظيفي والمؤسسي من أهم الأدوات الحديثة لتعزيز السلم الاجتماعي داخل بيئة العمل وفي الفضاء العام. فهي:

تحدد معايير النزاهة والشفافية.

تضبط العلاقة بين الموظف والمؤسسة والمواطن.

تمنع التعسف، والمحسوبية، وإساءة استعمال السلطة.

ومن الناحية القانونية، فإن احترام مدونات السلوك يُسهم في:

الوقاية من النزاعات الإدارية والاجتماعية.

تعزيز الثقة بالمؤسسات العامة.

تقليل فرص الفساد والانحراف الوظيفي.

غير أن المشكلة لا تكمن غالبًا في غياب هذه المدونات، بل في ضعف تطبيقها، وغياب آليات المتابعة والمساءلة، ما يحولها إلى نصوص شكلية فاقدة للأثر.

رابعًا: تفقد القيم وتصحيح السلوك والانحراف المسلكي

تفقد القيم هو عملية مراجعة نقدية مستمرة للسلوك الفردي والجماعي، تهدف إلى:

تشخيص مظاهر الانحراف الأخلاقي والسلوكي.

معالجة السلوكيات الضارة بالسلم المجتمعي.

إعادة الاعتبار لمبدأ القدوة والمسؤولية.

وتكمن أهمية هذا التفقد في أنه وقائي قبل أن يكون عقابيًا، إذ يسهم في معالجة جذور المشكلة بدل الاكتفاء بنتائجها، ويمنع تحول الانحرافات الصغيرة إلى أزمات مجتمعية كبرى.

خامسًا: القيم الأخلاقية الإسلامية وأهميتها في تعزيز السلم الاجتماعي

تشكل القيم الأخلاقية الإسلامية، بوصفها جزءًا أصيلًا من الثقافة المجتمعية، رافعة أساسية للسلم الأهلي، لما تتضمنه من مبادئ جامعة، أبرزها:

حفظ الكرامة الإنسانية.

تحريم الظلم والاعتداء.

إعلاء قيمة العدل والإحسان.

تعزيز السلم، والتسامح، والإصلاح بين الناس.

وتكمن أهمية استحضار هذه القيم في الخطاب المجتمعي والقانوني ليس من باب الوعظ، بل باعتبارها مخزونًا أخلاقيًا جامعًا يسهم في تهذيب السلوك، ويعزز الامتثال الطوعي للقانون.

سادسًا: التوعية المجتمعية كأداة استراتيجية لتعزيز السلم الأهلي

تُعد التوعية المجتمعية الحلقة الأهم في ربط القانون بالقيم، وتشمل:

نشر الثقافة القانونية والأخلاقية.

توعية الأفراد بحقوقهم وواجباتهم.

مواجهة خطاب الكراهية والعنف.

تعزيز ثقافة الحوار والمسؤولية.

ولا يمكن أن تنجح هذه التوعية دون شراكة حقيقية بين:

المؤسسات الرسمية.

مؤسسات المجتمع المدني.

الإعلام.

المؤسسات الدينية والتربوية.

خاتمة وتوصيات

خلصت الدراسة إلى أن السلم الأهلي والاجتماعي لا يتحقق بالقانون وحده، ولا بالقيم وحدها، بل من خلال تكامل القانون مع منظومة قيم أخلاقية فاعلة.

وتوصي بما يلي:

إدماج تعزيز القيم والسلم الأهلي في السياسات العامة.

تفعيل مدونات السلوك وربطها بآليات مساءلة حقيقية.

تطوير برامج وطنية للتوعية المجتمعية القانونية والأخلاقية.

استثمار القيم الإسلامية كمرجعية أخلاقية جامعة تدعم السلم الاجتماعي.

إعداد:

شرين الناجي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com