فلسطين ليست أرضًا منكوبة… بل وطنًا يُعاقَب بالاحتلال.. بقلم: شريف الهركلي

ليست فلسطين منطقةً منكوبة كما تحاول بعض الخطابات الدولية والإقليمية تقديمها، ولا جغرافيا أصابها سوء الطالع أو كارثة طبيعية عابرة، بل وطنٌ واقع تحت احتلال مباشر يُنتج الدمار عن سابق قصد، ثم يُعاد توصيف هذا الدمار بلغة إنسانية ناعمة تُخفي الجريمة ولا تُسمي فاعلها. فالفارق بين “الأرض المنكوبة” و“الأرض المحتلة” ليس فرق مصطلحات، بل فرق حقائق ومسؤوليات.
المنطقة المنكوبة هي ضحية ظرف طارئ: زلزال، إعصار، فيضان، حرب انتهت وبقيت آثارها. تُغاث، وتُعاد إعمارها، ثم تعود الحياة إلى مسارها الطبيعي. أما الأرض المحتلة، فهي ضحية مشروع مستمر، تُدمَّر لأن تدميرها جزء من سياسة، ويُجوَّع أهلها لأن التجويع أداة سيطرة، ويُحاصَر إنسانها لأن كسر إرادته هدف معلن أو مستتر.
في الحالة الفلسطينية، لا تهدم البيوت الطبيعة، بل الطائرات. ولا تُقطع الكهرباء بسبب عطل فني، بل بقرار عسكري. ولا تُغلق المعابر خوفًا من وباء، بل لتجويع شعبٍ بأكمله ودفعه إلى خيارات قسرية. ومع ذلك، يُصرّ الخطاب الدولي على التعامل مع فلسطين، وغزة تحديدًا، بوصفها “أزمة إنسانية” لا قضية تحرر وطني.
الخطورة في توصيف فلسطين كـ“أرض منكوبة” لا تكمن في اللغة وحدها، بل في ما يترتب عليها سياسيًا. حين تُنزَع صفة الاحتلال عن المشهد، يُنزَع معها حق المساءلة. يتحول الجلاد إلى “طرف قلق”، وتتحول الجريمة إلى “وضع معقد”، ويُختزل حق الشعب في الحرية إلى سلال غذائية وخيام مؤقتة. وهكذا، تصبح المساعدات بديلاً عن الحقوق، والإغاثة ستارًا يُخفى خلفه استمرار السيطرة.
غزة، على سبيل المثال، ليست منكوبة لأنها فقيرة أو عاجزة، بل لأنها محاصَرة. ليست مدمَّرة لأنها فشلت في إدارة نفسها، بل لأنها تُعاقَب جماعيًا منذ سنوات. وكل محاولة لفصل الدمار عن سببه الحقيقي هي مشاركة غير مباشرة في إعادة إنتاج النكبة، ولكن بلغة أقل فجاجة.
الأخطر من ذلك، أن توصيف فلسطين كمنطقة منكوبة يفتح الباب أمام مشاريع الوصاية: إدارة دولية، حلول مؤقتة، ترتيبات إنسانية طويلة الأمد، تُدار فيها حياة الفلسطيني تحت سقف الاحتلال، لا خارجه. وهنا يتحول السؤال من: كيف نُنهي الاحتلال؟ إلى: كيف نُدير حياة الفلسطيني وهو واقع تحته؟ وهذا هو الانزلاق الأخلاقي والسياسي الأخطر.
إن الشعب الفلسطيني لا يطلب شفقة، ولا يبحث عن تعاطف موسمي، بل يطالب باعتراف واضح بالحقيقة: أن ما يجري ليس كارثة بلا فاعل، بل جريمة لها فاعل مستمر. وأن إعادة الإعمار لا معنى لها دون إنهاء أسباب الدمار. وأن العدالة لا تبدأ بإحصاء الخيام، بل بتسمية الاحتلال ومحاسبته.
الخاتمة:
فلسطين ليست أرضًا منكوبة تحتاج مزيدًا من المسكنات الإنسانية، بل أرضًا محتلة تحتاج قرارًا شجاعًا بإنهاء الاحتلال.
المنكوب يُغاث،
أما المحتل فيجب أن يُحاسَب.
وكل خطاب يخلط بين المصطلحين،
إما يجهل جوهر القضية…
أو يشارك، عن قصد أو صمت، في تمييعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com