دور المثقف العربي في زمن العولمة، والذكاء الاصطناعي

إن الثقافة الجميلة النبيلة الطيبة مثل جنات من النخيل، والأعناب، والحدائق، والبساتين الكبيرة الشاملة والكاملة، والمتكاملة فيها الكثير من الورود، والأزهار، والثمار، والخيرات الأشجار العالية الجميلة، والظلال الوارفة، فالثقافة العربية الإسلامية السامقة حالها مثل قوله تعالى: ” وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ”. والثقافة عمومًا مثل بحر لُجي يغشاهُ موج من فوق موجٌ فيها أصحاب الفكر المنحرف، والتيارات الجارفة؛ وأما الثقافة العربية الإسلامية فيها دماثة الأخلاق، والوسطية والرحمة والخير للبشرية، واللؤلؤ والمرجان؛ والقول مع الفعل سيان. وهي ثقافة شرعية نقية زكية زاهية زاخرة عالية علية إيمانية مثمرة رائعة، وراقية، ومتعددة المشارب، جميلة الروائح، والأماكن، ويفوح منها عبير الأزهار، وتقطف منها أجمل الثمار؛ وحينما نتطرق للثقافة والمثقف نجد أن هناك بعض الفرق بين مثقف الأمس، ومثقف اليوم، يشبه تماماً الفارق بين البستان والحديقة. فالمثقف الذي ‘وقر ما في قلبه، وصدقه العمل’ كان بمثابة مُزارع بُستاني مجتهد يحرث الأرض، ويرويها، ويزرع الأشجار المثمرة، ويسقيها؛ والكلمة عنده موزونة إيمانيًا، وأخلاقياً، لا تطرح إلا ثماراً تغذي وعي الشعوب، وتصمد أمام رياح التغيير العاتية؛ وهو كالغيث أينما حل نفع؛ أما بعض مُثقفين اليوم ، فقد ينقلنا إلى عصر ‘المثقف الحديقة’؛ ومثقف الحظيرة؛ حيث يُعتنى فقط بالجمال الظاهري وعنده الثقافة هي فقط الغناء، والفن والرقص، ويُجيد القول، دون الفعل، والعمل، وتنسيق الجُمل المنمقة التي ‘تخطر بالبال’ وتُعرض في فضاءات التواصل الاجتماعي كزهور زينة تسُرُ الناظرين، لكنها لا تُشبع جُوعاً مَعرفياً ولا تصمد طويلاً، وسرعان ما تذبل عند أول مواجهة مع الواقع العملي؛ ولقد تحول بعض المثقفين من حارسٍ لـ البستان المثمر (الذي يتطلب الصبر، والجهد والطين) إلى مهندسٍ لـ حديقة افتراضية (تكتفي باللون والرائحة العابرة)، ومنهم من يكون صاحب ثقافة عامة غزيرة، ولكنه للأسف منحرف يحمل الفكر الشيوعي الإلحادي وأعمالهُ فيها نفاق، ودجل، ورياء، وتجد فيها الالحاد، والشرك والكُفر البواح قال تعالى: ” وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا!؛ وبعض المثقفين العرب، والمسلمين يأخذون كلام بعض الكفار مرجعًا لهم وكأنه كلام منزل فيرددون مثلاً مقوله الفيلسوف، والمفكر الماركسي الإيطالي البارز، وهو أحد مؤسسي الحزب الشيوعي أنطونيو غرامشي الذي قال:” أؤمن بأن المثقفين بقدر ما هم منارة التنوير والتقدم بقدر ما هم المسؤولون أولًا، وأساسًا عما يصيب المجتمع، ويعوق مسيرته إذا ما غيبوا الحقيقة، وهم يعلمون وتذرعوا بافتقاد الحرية.” ؛ وإن كلامه صحيحًا لكنه صاحب فكر منحرف؛ وكذلك يرددون قول المفكر “البير كامو” فيقول: ” المثقف الحقيقي هو المثقف العضوي”؛ وكلامهم فيه الصواب وفيه الخطأ؛ وطالما أننا نتكلم عن الثقافة، والمثقفين فلابد أن نتطرق بشكل سريع لتعريف الثقافة، والمثقف في السياق العربي: فالثقافة عرفها البعض بأنها: “ليست مجرد فنون وعادات، بل هي “الطريقة التي يفكر ، ويتصرف بها الأفراد والمجتمعات”، وتشكل هوية الأمة، والمثقف الحقيقي هو “باني الجسور” الذي لا ينحاز للماضي أو الحاضر بجمود بل ينحاز للإبداع، وإعمال العقل، واحترام الاختلاف؛ تواجه اليوم الثقافة العربية المعاصرة “أزمة قيم حادة” تهدد الهوية، والوجود الإنساني في ظل التغيرات المتسارعة، كما يشهد العالم حاليًا حراكًا ثقافيًا جديدًا، يختلف عما سبق؛ فاليوم يواجه المثقف العربي المسلم الحُر المفضال المحترم صاحب الرأي والرؤية مشاكل، وعلاقة غير جيدة مع بعض الحكام، وأصحاب السيادة، ويتعرض للتهميش والإقصاء إن كان مخالف لهوى الحاكم!؛ وبينما يبحث المثقف عن الحرية والنقد، تميل بعض النظم لفرض التبعية أو الإقصاء؛ و الانقسام الأيديولوجي، والذي كشفت عنه بعض التحولات السياسية الأخيرة أدت إلى “انكشاف الأقنعة الزائفة المزورة؛ حيث انحاز بعض المثقفين للحاكم وإن كان على باطل بينما خرجت الغالبية للدفاع عن قضايا الشعوب؛ وأما في عالمنا المعاصر قد تجد المثقف “المتوحد، فيقع بعض المثقفين في فخ “الوعي الزائف”، حيث ينعزلون عن الواقع لبناء “قلاع نظرية” بدلاً من مواجهة الاستبداد وتشريح المشكلات واقعياً؛؛ مما يوجد تحديات الكبرى أمام العمل الثقافي العولمة والهوية: يمثل تطور “تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل” أكبر تحدٍ للهوية الثقافية، مما يخلق تشكلات ثقافية جديدة قد لا تتسق مع الموروث المحلي، كما يواجه القطاع الثقافي تحدي في الانفاق، والاستقلالية: “مثل الحرية مقابل الغذاء”، خاصة مع انسحاب الممولين الدوليين أو فرض شروط سياسية على المؤسسات الثقافية؛ وكذلك يواجه العالم العربي مشكلة الغزو الثقافي الغربي. آفاق المستقبل والإصلاح يعد الإصلاح الثقافي حجر الزاوية لأي إصلاح اجتماعي أو سياسي شامل في الوطن العربي. يجب على المثقف ألا يكتفي بـ “الارتشاف المعرفي”، بل يطمح للقيام بدور ريادي في إصلاح الواقع وعدم اعتزاله. حوّل دور المثقف العربي هو أحد أكثر القضايا جدلاً في الفكر المعاصر، خاصة مع الانتقال من مفهوم “المثقف العضوي” الذي ينخرط في قضايا مجتمعه ميدانياً، إلى “المثقف الرقمي” الذي يكتفي بالكتابة العابرة؛ وهنا نطرح سؤال هل انتهى زمن المثقف؟ صعب القول بانتهاء زمن المثقف وهو قول لا يصح بل ممكن القول خفوت، وضعف الدور التقليدي للمثقف العربي، الذي كان في السابق يقود الجماهير ويصيغ الأيديولوجيات الكبرى، ولكنه قد تراجع اليوم لصالح “خبير التكنولوجيا” أو “المؤثر” (Influencer)؛ ومع انحسار “المثقف العضوي”، الذي يعيش قضايا طبقته، ويعمل على تغيير الواقع ميدانياً، ولكنه يواجه اليوم حالة من “الخسوف” في الوطن العربي؛ والغياب عن الحراك الشعبي؛ وقد كشفت التحولات الأخيرة (مثل الثورات العربية) أن الجماهير غالباً ما تحركت بشكل عفوي دون انتظار “تنظير” من النخبة المثقفة التي بدت أحياناً “مندهشة” أو “متخلفة” عن الحدث، والمثقف الحقيقي هو من يفعل “ما وقر في القلب وصدقه العمل” وليس “ما خطر في البال”؛ ولذلك فإن نعيش في سطحية الوعي الرقمي؛ حيث انتقلنا من عصر كان فيه المثقف يبني مشروعه الفكري عبر عقود من البحث والعمل (ما وقر في القلب وصدقه العمل)، إلى عصر “السرعة الرقمية” حيث يكتب المثقف ما يمر بخاطره لحظياً على منصات التواصل (ما خطر في باله وكتبه بالقلم على لوحة المفاتيح للحاسوب أو الهاتف النقال)؛ وكذلك صار عندنا المثقف “المتوحد” والوعي الزائف؛ حيث يعاني البعض مما وصفه النقاد بـ “الوعي المقلوب”، حيث ينعزل المثقف في قلاعه النظرية بدلاً من تشريح الاستبداد واقعياً، مكتفياً بـ “الممارسة على مستوى النظرية” فقط. سيادة “ثقافة التفاهة”: أدى تراجع المثقف الحقيقي إلى بروز غير المختصين وتمدد “ثقافة التفاهة”، حيث تصدرت القضايا العابرة على القضايا الجوهرية التي تهم كرامة الإنسان وحقوقه؛ وكذلك التحول من السلبيات في هذا العصر هو التحول إلى “المثقف الرقمي”، واستلاب الوظيفة الثقافية:، فالثورة الرقمية أضعفت سلطة المثقف التقليدي وفرضت عليه مراجعة أدواره. المثقف الآن يواجه حدي “الاستلاب الرقمي”، حيث تتحول المعرفة إلى مجرد “لقطات عابرة” تفتقر للديمومة والعمق. بناء البدائل: رُغم هذا التراجع، يظل الرهان على قدرة المثقف “الحقيقي” على استخدام الأدوات الرقمية لبناء “خطاب نقدي” يفكك الهيمنة، بدلاً من مجرد الانجراف خلف التريندات؛ والمثقف العربي لم ينتهِ كحاجة مجتمعية، لكن “صورته النمطية” هي التي ضعفت، والتحدي الآن هو العودة من “ثقافة الخاطرة” إلى “ثقافة الموقف”، ومن “الكتابة للاستهلاك” إلى “الكتابة للتغيير”؛ وكما قيل : “إن التغيير في المجتمعات لا بد أن تسبقه ثقافة تمهّد له الطريق”؛ فثقافة التغيير تدخل بالضرورة في صراع مرير مع الثقافة السائدة، التي تهيمن على تفكير الغالبية العظمى في المجتمع؛ فالتغيير لا يحدث إلا إذا وجد قبولًا تامًا داخل المجتمع، وإذا كان يقدّم مشروعًا إصلاحيًا أفضل مما هو قائم؛ ولذلك فإن دور المثقف العضوي في التغيير لم ينتهي. فلم يعد للمثقف الفرد تأثير يُذكر كما كان في السابق، بل أصبحنا أمام ما يمكن تسميته “المثقف الجمعي” المؤثر بلغة اليوم، حيث يكفي أن تُدغدَغ العواطف لتجد جوقة من المصفّقين، مقابل قلّة من المنتقدين؛ وأمام هذا الصعود المهول لجوقة التافهين، تراجع دور المثقف الجاد والرصين، الذي لا يطّلع على نتائج أبحاثه إلا قلّة قليلة من القرّاء الحقيقيين، أو الجهات الرسمية، التي تستثمر تلك النتائج سياسيًا واجتماعيًا. هذا المثقف غالبًا ما يُتّهم ظلمًا بأنه متقوقع في “برجه العاجي“، بينما الحقيقة أن الباحث الحقيقي يحتاج إلى خلوته بين الحين والآخر ليمارس التأمل والتحليل والمقارنة، ويرى ما لا يراه العامة؛ والفيلسوف الألماني هيغل قد تساءل في كتابه دروس في فلسفة التاريخ عن المحرك، الذي يصنع التاريخ، فقال: ” أعتقد أن التاريخ يُصنع ويُشكّل عبر الفكر التقدمي الثوري، الذي يمتلك إرادة “برومثيوسية” للتغيير”؛ فالتغيير الحقيقي للبنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا يتم إلا عن طريق المثقف؛ لأنه صانع التاريخ وأحد محركاته. بل هو، إلى جانب ذلك، يُعدّ روح المجتمع وقلبه النابض، إذ يساهم من خلال إنتاجه للوعي في تحرير المجتمعات من مظاهر التخلف والركود والسلبية، ليكون بذلك جسرًا تعبر عليه الإنسانية من ضفة الجهل إلى ضفة النور؛ ومع ذلك، لا يمكننا إنكار أن المثقف يتأثر بعصره كما يؤثر فيه؛ فهو، مهما حاول، لا يستطيع أن ينفصل عن زمنه. وهذه الإشكالية إشكالية علاقة المثقف بعصره لا تزال تثير العديد من التساؤلات المؤرقة والعميقة؛ فهل انتهى فعلًا دور المثقف العضوي في مجتمعاتنا المعاصرة، ليغدو مجرد ذكرى نستحضرها بحنين؟ وهل يعني خفوت صوته وتراجع إشعاعه الفكري بروز غير المثقفين على الساحة، وتمدّد ثقافة التفاهة كما هو حاصل الآن؟ كيف يمكن لنا أن نعيد إحياء دور المثقف ليصبح من جديد قوة فاعلة في إنتاج الوعي وتغيير العالم؟؛ لا سبيل لتحقيق التغيير في مجتمعاتنا اليوم سوى بالثقافة والأدب. لا يمكننا إعلان الحرب على الديكتاتورية، والقبلية، والجهوية والظلامية، من دون ثورة ثقافية حقيقية تبدأ، برأيي، بإصلاح المنظومة التعليمية والتربوية في بلداننا. علينا أن نُشجع الإبداع ونمنح الجيل الجديد أدوات التعبير، التي يحبها، ويجب أن نعمل على نشر الثقافة الإسلامية وهي ثقافة فيها كل الخير من الوسطية، والتسامح، والمحبة والمودة والتي جاء الإسلام من خلال الكتاب الخالد القرآن الكريم، وكذلك نحن بحاجة لتعميم القراءة النافعة، والكتب الرصينة، والمكتبات التي فيها كتب قيمة في كل حيّ وقرية، ومدينة. فالمثقف الحقيقي هو منارة تنوير تحمل رسالة إيمانية وأخلاقية عميقة، تتجاوز مجرد المعرفة النظرية لتشمل الوعي بقضايا المجتمع، والشجاعة في قول الحق، والالتزام بالقيم والمبادئ، والعمل على التغيير الإيجابي. يجمع المثقف بين قوة الإيمان، الاستقلالية الفكرية، ونزاهة الأخلاق ليصبح ضمير أمته، متحررًا من التبعية، ومدافعًا عن العدالة والكرامة؛ وإن جوهر الرسالة الإيمانية والأخلاقية للمثقف: الأخلاق الحسنة، والتنوير الفكري، وزيادة الوعي وتجاوز التفكير الخرافي، وفضح الأيديولوجيات الزائفة، وقيادة المجتمع نحو الرقي، والمعرفة. المسؤولية الأخلاقية؛ فالمثقف هو المثال الأخلاقي الحي، الذي يلتزم بالصدق والتواضع، قولاً، وعملاً، ويقف مع الحق، وينصر المظلوم حتى لو كانا بعيدين عن توجهاته؛ ويتحلى في الإيمان الصادق ويجعل من العدل، والحق، والمعرفة أداوت لترسيخ العدالة والمساواة؛ فلا يقتصر دوره على التلقي، بل يسعى لتحويل أفكاره إلى مواقف وسلوكيات عملية تنهض بالمجتمع؛ وإن من صفات المثقف المؤمن والملتزم؛ الشجاعة الفكرية، والقدرة على مواجهة السلطة والظلم والمجاهرة بالحق. والاستقلالية، والبعد عن التبعية وعن العصبية الضيقة، ويتمتع بالحصانة الفكرية وفي التعامل مع الآخر بوعي واستقطاب النافع مع الحفاظ على الهوية والقيم، الالتزام بالمجتمع: حمل هموم الناس والفقراء وتقديم حلول تتناسب مع واقعهم؛ ونلخص بإيجاز، المثقف الحقيقي يدمج المعرفة بالأخلاق، مما يجعله عنصرًا فاعلاً وبنّاءً في صياغة مستقبل أفضل لمجتمعه؛ لم ينتهِ زمن المثقف الحقيقي، لكن دوره تحوّل وتراجع تأثيره التقليدي أمام صعود المؤثرين، ثورة المعلومات، والذكاء الاصطناعي. فبينما يرى البعض موت دور المثقف “النجم” أو “الأكاديمي المنعزل”. وإن من أبرز ملامح هذا التحول انفجار المعلومات والتي أتاحت من خلال الإنترنت للجميع الحصول على المعلومات مما قلل الحاجة للمثقف كـ”بنك للمعلومات”، وأصبح “جوجل” ومواقع التواصل (فيس بوك، تويتر) أدوات معرفية عامة. صعود المؤثرين: تراجع دور النخبة المثقفة أمام “المؤثرين” ووسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت من أي شخص كاتباً. المثقف الموسوعي: يرى البعض أن عصر المثقف الموسوعي لم ينته، بل توسع مع سهولة الوصول للمعلومات، لكنه يتطلب بحثاً أعمق وإجادة لغات أخرى، وليس مجرد الذاكرة؛ فالمثقف الحقيقي الآن: هو من يملك شجاعة نقد الذات، والاشتباك مع قضايا المجتمع بصدق، بعيداً عن الوصاية، أو كونه المثال الأخلاقي والفكري الذي يدافع عن الحق والمظلوم، وختامًا النهاية، تراجع دور المثقف لا يعني موته، بل إن “الموت” الحقيقي هو انفصاله عن الواقع، ومستقبله يعتمد على مرونته في إعادة تعريف نفسه في زمن التكنولوجيا؛ وختامًا وخلاصة القول إن المثقف البستان: كلامه فعل، وعلمه عمل، ومنتجه الثقافي “قوت” للعقول؛ وأما المثقف الحديقة: كلامه ديكور، وعلمه استعراض، ومنتجه الثقافي “تسلية” للناظرين؛ “في نهاية المطاف، لا يحتاج الوطن العربي اليوم إلى المزيد من ‘المثقفين الحدائق’ الذين يكتفون بتنسيق الكلمات المنمقة خلف الشاشات، بل نحن في أمسّ الحاجة إلى العودة لنموذج ‘المثقف البستان’. ذلك المثقف الذي لا يخشى الغوص في طين الواقع ليزرع بذور التغيير، مدركاً أن الثقافة ليست ‘خاطرة’ تمر بالبال وتُكتب بالقلم، بل هي موقف يُعاش، وقيمة تُبنى، وثمرٌ لا يقطفه الناس إلا إذا كان ضارباً بجذوره في أرض الصدق والعمل؛ ولذلك يجب على المثقف المؤمن أن يوافق كلامه فعله قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } وأن يكون صاحب دماثة أخلاق كما كان النبي صلى الله عليه وسلم على خُلقٍ عظيم وكان قرآنًا يمشى على الأرض وكان خلقه القرآن؛ فما أحوجنا في عصر الحداثة، والانفجار المعرفي، وثورة التقنية، وتزاحم المعلومات، وتعدد الثقافات، وكثرة استخدام الذكاء الاصطناعي، والسرعة الرهيبة في عالم الاكتشافات، والاختراعات العلمية، أن نحافظ على موروثنا الثقافي العربي الإسلامي من كل ما يكدر صفو جمال الثقافة العربية الإسلامية الصافية النقية الجميلة الصادقة..
الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد أبو نحل
الباحث والكاتب المفكر العربي والإسلامي
رئيس المركز القومي لعلماء فلسطين
والإتحاد العام للمثقفين والأدباء العرب
عضو نقابة اتحاد كتاب وأدباء مصر



