البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة: تعطيل الوعي وتعليق التاريخ.. عائد زقوت

تُظهر تجارب النظم السياسية المعاصرة، ولا سيّما السلطوية والأيديولوجية منها، مَيلًا متزايدًا إلى إعادة إنتاج شرعيتها عبر آليات لا تقوم على الفعل الديمقراطي بوصفه ممارسة تاريخية مُؤسِّسة، بل عبر سلوك سياسي محكوم بغياب الوعي الجمعي، يستند إلى العصبية القبلية بوصفها محرّكًا للفعل، وإلى الأيديولوجيا كأداة تبريرية، وإلى الاقتصاد الريعي “الغنائمي” كغاية للممارسة السياسية.

وفي هذا السياق، يجري توظيف البُنى الاجتماعية، كالقبيلة والعائلة والطائفة، ضمن صيغ تمثيلية شكلانية، تُستعار من النماذج الديمقراطية الحديثة دون تفعيل شروطها التاريخية والمعرفية. وفي هذا الإطار، لا تعمل الديمقراطية بوصفها منظومة قِيم وممارسات تُنتج الفضاء العمومي، بل تتحوّل إلى بُنية إجرائية تُسْقَط على محتوى اجتماعي بدائي، بما يسمح بإعادة هندسة الرأي العام عبر الولاءات القبليّة الأولية، لا عبر النقاش العقلاني الحر. وبهذا المعنى، يغدو التمثيل السياسي تقنية للضبط الاجتماعي أكثر منه تعبيرًا عن الإرادة العامة.

ينتج عن هذا الترتيب مأزقٌ معرفيٌّ مزدوج: فمن جهة، يُعاد إنتاج وعي بدائي يستند إلى الموروث بوصفه سلطة مغلقة غير قابلة للنقد، تُعطِّل الفعل العقلي وتختزل الذات في انتماءات قبَليّة وولاءات تنظيمية. ومن جهة أخرى، تُطرَح شكلانية معاصرة تفصل العقل عن سياقه التاريخي، وتختزل الحداثة في أدوات إدارية وإجرائية، دون مُساءلة الأسس الاجتماعية والسياسية التي يُفترض أن تنبثق عنها هذه الأدوات. وبذلك، لا تقوم البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة بوصفهما نمطين متعارضين، بل كآليتين متكاملتين لإدارة الوعي وتعليق الفعل التاريخي، حيث تُفرَّغ السياسة من بعدها التحرّري وتُعاد صياغتها كأداة ضبط لا كفضاء صراع عقلاني.

ولا يشكّل هذا الازدواج تناقضًا، بقدر ما يمثّل تقاربًا وظيفيًا؛ إذ تتكامل البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة في إنتاج وعيٍ مُدار، منزوع التاريخ، قابل للتعبئة والانضباط. فالبدائيّة توفّر التعبئة الانفعالية والامتثال الرمزي، بينما تُؤمّن الشكلانية الغطاء العقلاني والمؤسسي لاستدامة هذا الامتثال. أي أنّ المجتمع يُدفَع، في آنٍ واحد، إلى إعادة إنتاج الولاءات القَبَليّة والعصبوية، وإلى القبول بأشكال حُكم حديثة ظاهريًا، دون أنْ يمتلك أدوات مساءلتها أو إعادة تعريفها. ويُفضي هذا التقارب إلى ما يمكن تسميته بـ تعليق الزمن التاريخي، حيث يُمنَع المجتمع من التحوّل إلى فاعل تاريخي، ويُختزل إلى موضوع للإدارة السياسية.

إنّ تجاوز هذا المأزق لا يمكن أنْ يتحقق عبر إصلاحات سطحية أو استيراد نماذج مؤسسية جاهزة، بل يتطلّب قطيعة إبستمولوجية “قطيعة معرفية” بالمعنى الذي صاغه غاستون باشلار وعمّقه لويس ألتوسير. وتتمثّل هذه القطيعة في الانتقال من أنماط الوعي العامي والأيديولوجي إلى أنماط التفكير العلمي والنقدي، دون أنْ تعني القطيعة هنا إلغاء التراث أو القفز عليه، بل تحريره من وظائفه التبريرية، وإدخاله في أفق التحليل التاريخي؛ فالعقل بلا نقل تيهٌ وضياع، والنقل بلا عقل جمودٌ واختزال.

وفي هذا السياق، تُفهم الحداثة لا بوصفها منظومة تقنية أو نموذجًا جاهزًا، بل باعتبارها مشروعًا نقديًا لتحرير العقل من أنماط الوصاية المعرفية والسياسية. ومن ثمّ، يغدو نقد العقل العربي مهمة داخلية، تستند إلى أدوات الحداثة ذاتها لا إلى استنساخها، وتتجاوز الثنائية الاختزالية بين تقديس الماضي ورفضه جملةً وتفصيلا.

ويقتضي هذا المسار تأسيس إنتلجنسيا عربية جديدة—بوصفها طبقةً مثقفة نقدية—لا تؤدي وظيفة النخبة الشكلانية المنفصلة عن البُنية الاجتماعية، ولا دور الحارس الأيديولوجي للموروث، بل تضطلع بوظيفة الوسيط النقدي بين التراث والواقع، وبين المحلي والعالمي.
إنتلجنسيا قادرة على تفكيك المنظومات الفكرية التي تُعيد إنتاج الاستبداد، وعلى إعادة وصل الفكر بالفعل التاريخي.

وعليه، فإنّ معركة التطور الحضاري في السياق العربي تبدأ بتفكيك هذا الترابط البنيوي بين البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة، بوصفه أحد أهم آليات تعطيل الوعي وتعليق التاريخ. فاستعادة الإنسان لفاعليته التاريخية تظلّ الشرط الضروري لأي مشروع تحوّل سياسي أو اجتماعي ذي معنى.

وفي ذات السياق، لم تكن الحالة الفلسطينية منعزلة عن فضائها العربي؛ فقد كان للبدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة انعكاسها في الواقع الفلسطيني. ففي لحظة سياسية فارقة تتكثف فيها أزمة التمثيل والشرعية الفلسطينية، في ظل خطوات متسارعة لفرض الوصاية على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، جاءت الدعوات لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الفاتح من نوفمبر القادم، بالتوازي مع الدعوة لانعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في مايو المقبل لانتخاب أُطر قيادية جديدة. وتكتسب هذه الاستحقاقات دلالة إضافية في أعقاب حرب أكتوبر 2023، وما أفرزته من إعادة تشكيل جزئي للمشهد السياسي، بما في ذلك خروج حركة حماس من الحُكم المباشر في قطاع غزة، دون أنْ يقترن ذلك بإعادة نظر بنيوية في أنماط الفعل السياسي أو بمراجعة نقدية جذرية لعلاقة الحركة بالسلطة أو بالانقسام. وهو ما أسهم في إعادة إنتاج حضورها السياسي عبر خطاب تعبوي ورمزي، يسمح لها بالبقاء فاعلًا مركزيًا في المشهد، دون تفكيك البُنية التي أسهمت أصلًا في تعطيل المشروع الوطني أو في تكريس أسس الانقسام القائم، وبما يعيد إنتاج منطق البدائية الشعبوية ضمن شكلانية سياسية جديدة.

في هذا الإطار، تكتسب هذه الاستحقاقات الفلسطينية دلالة معرفية وسياسية تتجاوز كونها مجرد إجراءات تنظيمية أو انتخابية. فهي تشكّل اختبارًا حقيقيًا لطبيعة البُنية الفكرية والسياسية السائدة، ولقدرة الفعل السياسي الفلسطيني على التحرّر من آليات البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة التي تعطل الوعي والتاريخ. وبذلك، تصبح الانتخابات القادمة ومؤتمر حركة فتح فرصة لمساءلة وتفكيك العلاقة بين الشرعية الشعبية والتمثيل الرسمي، ولقياس مدى إمكانية تأسيس ممارسات سياسية تُعيد للفعل التاريخي الفلسطيني صوابه ومكانته كفاعل نشط داخل سياقه التحرري النقدي ومساره الحضاري.
والسؤال الذي تفرضه هذه اللحظة ليس فقط كيف يُعاد بناء التمثيل، بل كيف يمكن كسر البُنية التي حوّلت السياسة من أفق للتحرّر إلى آلية لإدارة الزمن الفلسطيني خارج التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com