الانتخابات النصفية الأمريكية وتداعيات داخلية وانعكاسات خارجية.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تقترب الولايات المتحدة من استحقاق الانتخابات النصفية للكونغرس في مناخ سياسي مشحون، يتجاوز في حدّته التنافس الحزبي التقليدي، ليطال جوهر النظام الديمقراطي الأمريكي ذاته. فمع امتلاك الحزب الجمهوري أغلبية ضيقة في مجلس النواب، وأغلبية محدودة في مجلس الشيوخ (53 مقابل 47)، باتت احتمالات الخسارة واردة، ليس فقط وفق المعايير التاريخية التي تُظهر ميل الناخب الأمريكي لمعاقبة الحزب الحاكم، بل أيضًا في ظل انقسامات داخلية متصاعدة.
تُجمع قراءات سياسية أمريكية، بما فيها تقديرات صادرة عن أوساط جمهورية، على أن خسارة مجلس الشيوخ لم تعد سيناريو مستبعدًا. ويعكس ذلك قلقًا متزايدًا من تأثير الاستقطاب الحاد الذي بات يطغى على الحياة السياسية، ويضعف قدرة الحزب الجمهوري على توسيع قاعدته خارج أنصاره التقليديين.
يلعب الرئيس دونالد ترامب دورًا محوريًا في هذا المشهد. فبينما لا يزال يتمتع بقدرة واضحة على تحشيد القاعدة الجمهورية الصلبة، إلا أن حضوره السياسي يشكّل في الوقت ذاته عامل نفور لشريحة واسعة من الناخبين المستقلين، الذين غالبًا ما يرجّحون كفة الانتخابات النصفية. هذا التناقض يجعل من ترامب عنصر تعبئة وانقسام في آنٍ واحد، وهو ما ينعكس مباشرة على فرص الحزب الجمهوري.
ويثير الخطاب المتكرر حول “تزوير الانتخابات” قبل إجرائها، والتلميح إلى إمكانية إلغائها، إضافة إلى تصريحات تُبرّر الحكم السلطوي تحت ذريعة “الضرورة”، مخاوف جدية لدى قطاعات واسعة من النخبة السياسية والإدارية الأمريكية. فمثل هذا الخطاب، بغض النظر عن التوصيف القانوني له، يُضعف ثقة الجمهور بالعملية الانتخابية، ويهيّئ الأرضية السياسية للتشكيك في النتائج إذا جاءت مخالفة للتوقعات.
في هذا السياق، أشارت تقارير إعلامية، من بينها ما نشره موقع “بوليتيكو”، إلى قلق متزايد لدى مسؤولي الانتخابات في الولايات – من الحزبين الجمهوري والديمقراطي – من توسّع التدخل الفيدرالي في شؤون انتخابية تُدار دستوريًا على مستوى الولايات. وتشمل هذه المخاوف طلبات الوصول إلى سجلات الناخبين، وزيادة حضور أجهزة إنفاذ القانون الفيدرالية، وعقد اجتماعات أمنية موسعة قبيل الاستحقاق الانتخابي.
ورغم تأكيد الإدارة الأمريكية أن هذه الإجراءات تهدف إلى ضمان النزاهة والشفافية، إلا أن منتقديها يرون فيها مساسًا بروح الفيدرالية وتوازن الصلاحيات، ما ينذر بصدام مؤسسي إذا ما ترافقت مع نتائج انتخابية متنازع عليها سياسيًا.
في حال خسر الجمهوريون مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، فإن الولايات المتحدة قد تدخل مرحلة من الشلل التشريعي والتصعيد السياسي، مع عودة لجان التحقيق البرلمانية، واحتمال فتح ملفات تتعلق باستخدام السلطة التنفيذية. كما أن الحديث عن إمكانية حجب الثقة أو إطلاق مسار عزل جديد للرئيس ترامب – إذا كان في موقع السلطة – لن يبقى في إطار الجدل الإعلامي، بل قد يتحول إلى أداة سياسية فاعلة.
خاتمة: التداعيات على الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية
لا تنفصل هذه التطورات الداخلية عن السياسة الخارجية الأمريكية، وخصوصًا في الشرق الأوسط. فإضعاف موقع الرئيس داخليًا يحدّ من قدرته على تمرير سياسات استراتيجية طويلة المدى، ويدفع أحيانًا نحو قرارات خارجية متسرعة أو تصعيدية لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية.
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فإن أي إدارة أمريكية منشغلة بصراعات داخلية حادة ستكون أقل قدرة – وربما أقل رغبة – في لعب دور متوازن أو فاعل في دفع مسار سياسي حقيقي. بل إن ضعف الرقابة البرلمانية أو استخدامها كأداة صراع قد يفتح المجال أمام سياسات منحازة لإسرائيل، أو في المقابل، أمام ضغوط تشريعية جديدة تطالب بالالتزام بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
في المحصلة، تمثل الانتخابات النصفية المقبلة اختبارًا مزدوجًا: لقدرة الديمقراطية الأمريكية على حماية ذاتها من الاستقطاب، ولقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على دورها الخارجي دون أن يصبح رهينة أزماتها الداخلية. والنتيجة لن تؤثر على الداخل الأمريكي فحسب، بل ستترك بصماتها على ملفات إقليمية حساسة، في مقدمتها مستقبل القضية الفلسطينية.



