وجوهُ الغياب… نصٌ بقلم: د. عبدالرحيم جاموس

وجوهُ الغياب
لا ترحلُ…
بل تُقيمُ فينا،
تتمددُ كمساءِ شتاءٍ طويل،
وتجلسُ عند أطراف الذاكرة
كأنها لم تغادر…
هي ليست ذكرى عابرة،
بل ظلٌّ كثيف
يتكئ على جدار القلب،
ويعيد ترتيب الأشياء
بحذفِ اسمٍ
من دفتر العائلة،
بتركِ مقعدٍ فارغ
لا يجرؤ أحدٌ على ملئه…
تتجسّد في طفلٍ يتيم
يتعلّم الأبجدية
من فجيعةٍ مبكّرة،
يحمل حقيبته إلى مدرسةٍ…
صار سقفها سماءً مكشوفة،
ويحفظُ عن ظهر قلب
صوتَ أبيه
وهو يضحك…
كأن الضحكةَ وطنٌ صغير
لا يُقصف…
تتجسّد في امرأةٍ أرملة…
تغزلُ من الصبرِ شالًا
تقي به أبناءها برد العالم،
تخبئُ دمعتها
في جيب الليل،
وتهمس للفراغ:
“كان هنا…”
فتجيبها الجدران
بصدىً مكسور…
وفي عجوزٍ وحيدٍ
يجلسُ أمام بيتٍ
لم يبقَ منه
إلا الباب،
يمسح براحته
غبار الركام
كأنه يمسح جبين حفيده،
ويعدُّ أسماء الراحلين…
واحدًا… واحدًا…
كي لا يخونهم النسيان…
الحربُ
لا تكتفي بالقتل،
بل تترك خلفها
ضحايا خلف الضحايا؛
قلوبًا تسير على الطرقات …
وهي مثقلةٌ
بأنصاف أحلام،
وأمهاتٍ يوزعن الخبز …
على غيابٍ لا يشبع،
وأطفالًا …
يشيخون قبل أوانهم
لأنهم رأوا
ما لا يُرى…
الإبادةُ ليست رقمًا
في نشرات الأخبار،
بل ارتجافةُ يدٍ …
حين تُمسك بصورة،
ورعشةُ صوتٍ …
حين يُنادى اسمٌ
ولا يجيب أحد…
الرحيلُ في زمن العدوان
ليس وداعًا،
بل اقتلاعُ جذورٍ …
من تربةٍ كانت آمنة،
وتركُ الأرض
تنزفُ شجرًا
وبشرًا
وحكايات…
ومع ذلك…
تبقى وجوهُ الغيابِ
أشدَّ حضورًا
من الطغيان…
تعلّمنا أن الحياة
لا تُهزم بسهولة،
وأن الذكرى…
مقاومةٌ أخرى،
وأن العدالة
قد تتأخر
لكنها لا تموت…
هنا
كان أناسٌ…
يحلمون ببيتٍ بسيط
وبصباحٍ بلا قصف،
فجاءت الحرب …
تحمل ليلها الثقيل،
لكنها لم تستطع
أن تطفئ الضوء
في عيونهم…
وجوهُ الغياب
تبقى…
صلاةً مفتوحةً
في وجه الظلم،
ونشيدًا خافتًا
يعلو من بين الركام،
يقول:
لسنا أرقامًا،
لسنا هامشًا في تقرير،
نحن الحكاية…
وإن غاب أصحابها،
فإن وجوههم …
ستظلُّ شاهدةً
على أن الحياة
أقوى من الموت،
وأن الحقّ
لا يُدفن…
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
15/2/2026



