حين تتحوّل الصحافة إلى مرآة مكسورة … بقلم د.عبدالرحيم جاموس

تفقد الصحافة دورها الحقيقي عندما تحصر نفسها بين دفتي القدح والمدح، وتختزل رسالتها في ثنائية التمجيد أو التشهير، فتغيب عنها المسافة النقدية، ويضيع صوت العقل بين ضجيج الانحياز. عندها لا تعود سلطة رابعة تراقب وتحاسب، بل تتحول إلى صدى باهت لخطاب جاهز، أو منصة لتصفية الحسابات، أو بوق دعائي لا يرى في الواقع إلا ما يُطلب منه أن يراه.
الصحافة، في جوهرها، ليست مهنة نقلٍ ميكانيكي للأخبار، ولا مساحة للانفعال العاطفي المنفلت، بل هي فعلٌ معرفي وأخلاقي يقوم على التقصي، والتحليل، وربط الوقائع بسياقاتها، ومساءلة السلطة أياً كانت: سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية. لكنها حين تنزلق إلى سطحية التناول، وتتعمد استبعاد المقالات الموضوعية العميقة، فإنها تفرّغ نفسها من مضمونها، وتفقد ثقة جمهورها، وتتنازل طوعاً عن دورها الرقابي والتنويري.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس مجرد انحياز هنا أو هناك، بل تحويل الانحياز إلى منهج دائم، بحيث يصبح النقد خيانة، والموضوعية تهمة، والتحليل المتوازن خروجاً عن الصف. في هذه البيئة، يُكافأ المادح ولو كان سطحيّاً، ويُقصى الكاتب الجاد إن لم يُسبّح بحمد هذا الطرف أو ذاك. وهكذا تُستبدل المقالات التحليلية الرصينة بكتابات إنشائية، تتغذى على العناوين الصاخبة، وتفتقر إلى العمق والبيانات والسياق.
تتعذر الموضوعية حين تُختزل الأحداث المعقدة في ثنائيات تبسيطية: أبيض أو أسود، وطني أو خائن، نجاح مطلق أو فشل مطلق. بينما الواقع، بطبيعته، أكثر تركيباً وتشابكاً. القرارات السياسية، مثلاً، لا يمكن تقييمها بمعزل عن معطياتها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية. والأحداث الإقليمية لا تُفهم دون قراءة موازين القوى، والتاريخ، والمصالح المتداخلة. لكن الصحافة السطحية تفضل الطريق الأسهل: حكمٌ سريع، وانفعالٌ جاهز، وخطابٌ يرضي جمهوراً محدداً أو جهة ممولة.
كما أن استبعاد الكتابات النقدية العميقة لا يضر الكتّاب فحسب، بل يضر المجتمع برمته. فالمجتمع الذي لا تُطرح أمامه تحليلات جادة ومتنوعة، يُحرم من أدوات الفهم، ويُدفع دفعاً نحو الاستقطاب. وحين تغيب المساحة التي تتعايش فيها الآراء المختلفة باحترام، يتسع الفراغ أمام الشائعات، وتتقدم وسائل التواصل غير المنضبطة لملء المشهد، فيختلط الرأي بالخبر، والدعاية بالمعلومة.
ثمّة أسباب متعددة لهذه الظاهرة: الضغوط السياسية، حسابات الإعلانات، الخوف من فقدان الجمهور، أو حتى ضعف التأهيل المهني. غير أن النتيجة واحدة: صحافة بلا روح، وبلا شجاعة، وبلا رؤية. صحافة تلاحق “الترند” بدلاً من أن تصنع أجندة نقاش عام رشيد. تكتفي بإعادة تدوير البيانات الرسمية، أو تضخيم الأخطاء في خطاب هجائي، دون تحليل معمّق يشرح ويقارن ويستشرف.
الصحافة التي تستبدل التحليل بالمديح تفقد استقلالها. والتي تستبدل التحقيق بالقدح تفقد عدالتها. وفي الحالتين، تخسر دورها كوسيط نزيه بين السلطة والمجتمع. فالمطلوب ليس صحافة معارضة بالضرورة، ولا صحافة موالية بالضرورة، بل صحافة مهنية، تحترم عقل القارئ، وتضع الحقيقة فوق الاعتبارات الضيقة.
إن تعرية هذه الظاهرة لا تعني جلد الإعلام أو التعميم، فثمة تجارب مهنية مشرفة ما تزال تقاوم، وتتمسك بالتحقيق الاستقصائي، والمقال التحليلي، واللغة الرصينة. لكنها بحاجة إلى بيئة تحميها، وتشجع التعددية، وتكافئ الكفاءة لا الولاء.
في النهاية، الصحافة إما أن تكون مساحة للوعي، أو تتحول إلى أداة للتهييج. إما أن تبني جسور الفهم بين الناس، أو تعمّق الانقسام. وحين تختار أن تحصر نفسها بين المدح والذم، فإنها لا تسيء إلى مهنتها فحسب، بل تسيء إلى المجتمع الذي يفترض أنها وُجدت لخدمته. فالصحافة التي لا تجرؤ على التحليل، ولا تتحمل كلفة النقد الموضوعي، إنما تتنازل عن رسالتها، وتكتب بيدٍ مرتعشة تاريخاً مشوهاً للأحداث.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
17/2/2026 م
تقدّم مقالة الدكتور عبدالرحيم جاموس تشخيصًا عميقًا لأزمة الصحافة المعاصرة بوصفها أزمة وظيفة ومعنى، لا مجرد أزمة أداء أو أدوات. فالكاتب لا يقف عند مظاهر الخلل السطحية، بل ينفذ إلى جوهر الانحراف حين تتحول الصحافة من فضاءٍ للبحث عن الحقيقة إلى مرآة مكسورة تعكس الواقع مشوّهًا أو مبتورًا، بحسب زاوية الانحياز ومصالح التمويل والضغط.
أبرز ما في النص أنه يعيد تعريف الصحافة باعتبارها فعلًا معرفيًا وأخلاقيًا في آن واحد، لا مجرد وسيلة لنقل الخبر أو إثارة الانفعال. وهذا التعريف يعيد للصحافة بعدها الفلسفي:
فهي ليست وسيطًا محايدًا بالمعنى الساذج، بل فاعلٌ نقدي يربط الوقائع بسياقاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية، ويضع الحدث ضمن شبكة علاقات أوسع تمنحه معناه الحقيقي. بهذا المعنى، تصبح الموضوعية موقفًا فكريًا قبل أن تكون تقنية مهنية.
كما يلفت النص إلى أخطر تحوّل بنيوي يصيب الإعلام حين يصبح الانحياز “منهجًا” لا استثناءً. هنا لا يعود الخلل مجرد خطأ فردي أو زلة تحريرية، بل يتحول إلى ثقافة عامة داخل المؤسسات الصحفية، حيث يُكافأ التبسيط ويُعاقب التعقيد، ويُستبعد التحليل لصالح الخطاب العاطفي أو الدعائي. وهذه الإشارة تضعنا أمام مفارقة مؤلمة: كلما ازداد الواقع تركيبًا، ازدادت الصحافة السطحية إصرارًا على اختزاله في ثنائيات قاتلة للفهم.
وتكتسب المقالة قيمتها التحليلية من ربطها بين انحدار الخطاب الصحفي وتداعياته المجتمعية. فالصحافة، حين تفشل في تقديم قراءة متوازنة ومتعددة الزوايا، تترك فراغًا معرفيًا يملؤه الاستقطاب والشائعة وخطاب الكراهية. وبذلك لا تضر بذاتها فقط، بل تسهم في إعادة تشكيل الوعي العام على أساس هشّ، قائم على الانفعال لا على التفكير النقدي.
النص أيضًا يبتعد عن منطق الإدانة المطلقة، فيؤكد أن الأزمة ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة تفاعل معقّد بين الضغوط السياسية والاقتصادية وضعف التأهيل المهني. هذه المقاربة تمنح المقالة طابعًا إصلاحيًا لا تهكميًا، إذ تشير ضمنًا إلى أن إنقاذ الصحافة ممكن إذا توفرت بيئة تحمي التعددية وتكافئ الجدارة بدل الولاء.
في مجملها، تقدّم المقالة رؤية أخلاقية للصحافة بوصفها ذاكرة المجتمع وضميره النقدي. وهي تذكّر بأن الصحافة التي تهرب من التحليل وتخشى المساءلة إنما تكتب تاريخًا ناقصًا للأحداث، وتشارك في إنتاج وعي مشوّه. لذلك، لا تُقرأ هذه المقالة بوصفها نقدًا للإعلام فحسب، بل بوصفها دعوة لاستعادة الصحافة لدورها كجسرٍ للفهم لا كساحةٍ للضجيج، وكفضاءٍ للعقل لا كمنصةٍ للانقسام.

د/ عادل جودة
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



