نبض الحياة.. صيامان وشعب واحد.. عمر حلمي الغول

مفارقة هامة تهل علينا في هذه الأيام المباركة، حيث يتزامن حلول شهر رمضان الفضيل، مع حلول صيام أتباع الديانة المسيحية، لتجسد الوحدة الوطنية الثابتة والراسخة والمتجذرة في كينونة الشعب، وتعمق ذاته المتعامدة في الدفاع عن الهوية والمشروع الوطني على أرضية التنوع والتعددية الفكرية السياسية والاجتماعية والدينية، وتزداد صلابة وقوة وباسا في جبهات التحدي والمواجهة مع المخططات وحروب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس العاصمة الأبدية. ورغم محاولات العدو الصهيوني اللعب على الوتر الديني لتفتيت وحدة الشعب، الا انه باء بالفشل. لأن الشعب العربي الفلسطيني لا يقبل القسمة على هكذا مشاريع تآمريه، وكون بوصلته ثابته باتجاه العدو الإسرائيلي ومن يدعمه ويقف خلفه، ويشكل له حماية من الملاحقة والمساءلة أمام الهيئات والمحاكم الدولية.
في هذه اللحظة التاريخية الهامة من مسيرة التحرر الوطني، ومع حلول الصيام لاتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية في آن واحد، وفي زمن الابادة، وتصاعد وتيرة الاستيطان الاستعماري، وتبديد الكيانية الوطنية، فإن الضرورة تحتم رص الصفوف وتجسيد اللحمة الوطنية بين أبناء الشعب، مع تعاظم التراحم والتوجه نحو الخالق العظيم في صلواتهم جميعا، وتكريس وتعميق التكافل والتشارك والوحدة بين أبناء الشعب الواحد الموحد في الصراء والضراء. وهي فرصة لقوى الردة المنحرفين والمتواطئين مع الأعداء، وهم من نسيج الشعب الاجتماعي مراجعة ذاتهم وخيارهم الانقلابي، ليعودوا لحاضنة الشعب ومشروعه الوطني ورائدة نضاله وممثله الشرعي والوحيد، منظمة التحرير الفلسطينية ببرنامجها السياسي، من أجل تعزيز الروابط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لمواجهة التحديات الإسرائيلية الخطيرة، وتعزيز ثبات الشعب على الأرض، وافشال مخطط التطهير العرقي الصهيوني الأخطر منذ نكبة العام 1948، وحماية الأرض والمقدسات والاثار ورموز الشعب على الصعد المختلفة.
لكن هل لدى تلك القوى التي تدعي انها “تدافع” عن حرية الشعب من البوابة الدينية، وتحت راية الإسلام، ورغم مرارة تجربتها على مدار عقدين طويلين، وما نجم عن خطاياها وانتهاكاتها الفادحة، هل تعلمت واستخلصت الدرس، وتملثت العبر، ولديها الشجاعة لمواجهة الذات، والتوقف لمرة واحدة عن مغامراتها، التي مزقت القضية والمشروع الوطني ووحدة الأرض والشعب والكيانية الفلسطينية؟ من الصعب الافتراض بمحاكاتهم الشجاعة والحمية الوطنية. لأنهم رهنوا أنفسهم واداتهم التنظيمية وقرارهم السياسي في خدمة مخططات الاعداء، وعلى حساب مصالح الشعب العليا.
لعل تعامد الصيامان لاتباع الديانتين من أبناء الشعب الفلسطيني الواحد، تكون عبرة ورسالة واضحة وصريحة لكل إنسان على حدة، ولكل الاحزاب والحركات التي تدعي انها “تدافع” عن الإسلام، لتراجع خياراتها، وتعود لرص الصفوف، وأيضا على بعض اتباع الديانة المسيحية من حملة الجنسيات الأخرى، الذين يمثلون بعض الكنائس، ان يحافظوا على أملاك الكنائس من الأرض والعقارات والمصالح الواحدة للشعب الفلسطيني، والا يتورطوا في سياسات تمس المشروع الوطني، والا يفرطوا بأي ثابت من الثوابت الوطنية، لأن الشعب وقيادته وابنائه من اتباع الديانة المسيحية لن يسمحوا لأي شخص مهما كان موقعه الكنسي العبث بالمصالح الوطنية، وتحت طائلة المسؤولية، لأن الأرض الفلسطينية تمثل احد أهم ملفات الصراع مع العدو الإسرائيلي بالتلازم مع ملف اللاجئين، كون كلاهما في علاقة جدلية لا يمكن الفصل بينهما.
فلسطين الشعب والأرض والهوية والتاريخ والسردية الوطنية والمشروع الوطني والدولة ونظامها السياسي التعددي الديمقراطي وحريتها واستقلالها وسيادتها وعودة اللاجئين كل متكامل، لا يمكن، ولا يجوز الفصل بينها، ومن يريد بناء جسور السلام والعيش المشترك عليه احترام ثوابت الشعب الوطنية. وكل عام والشعب الفلسطيني مسيحيين ومسلمين وقوى وطنية بمشاربها الفكرية السياسية والمرأة والرجل المتساويان المتكاملان في بناء المجتمع بخير. وصوما مقبولا للجميع.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com



