إلى روح ليلى شهيد

رحم الله المناضلة والسفيرة ليلى شهيد، التي ارتبط اسمها بمحطات مفصلية من تاريخ النضال الفلسطيني، ورافقت قامات وطنية مثل الشهيد محمود الهمشري، والشهيد عز الدين القلق ، وكانت شريكة درب الدكتور الروائي والناقد محمد برادة.
نصٌ رثاء بقلم د. عبدالرحيم جاموس

ليلى…
حين تمشي الفراشة إلى الضوء
ليلى…
يا ابنةَ الحلمِ حين يورقُ في المنافي،
ويا صوتَ فلسطين
إذ كان الصمتُ
لغةَ العالمِ الباردة…
عرفناكِ
في مدرجاتِ باريس
رايةً لا تنحني،
وقلبًا يفيضُ وطنًا،
تمشينَ بين الطلبةِ
كما تمشي القصيدةُ
بين نارٍ وندى…
كنتِ رفيقةَ الشهداءِ
لا بالبكاءِ عليهم،
بل بإكمالِ الطريق…
تحملينَ أسماءهم
كما يُحملُ الضوءُ
في آخرِ العتمة…
ثم صرتِ
وجهَ فلسطينَ في أوروبا،
سفيرةً
لا تُجيدُ البروتوكولَ بقدرِ ما تُجيدُ
حراسةَ المعنى،
ولا تُتقنُ المجاملاتِ
بقدرِ ما تُتقنُ قولَ الحقيقة…
كنتِ إذا تحدثتِ
أصغى المكان،
وإذا ابتسمتِ
انفرجَ جدارُ السياسةِ
عن نافذةِ إنسان…
ليلى…
يا نحلةً جمعتْ رحيقَ الوطنِ
من حقولِ الألم،
ويا فراشةً …
لم تُغوِها أضواءُ العواصم
عن شمسِ القدس…
رحلتِ
كما يرحلُ العطرُ
بعد أن يملأَ الغرفة،
وتركْتِ فينا
دفءَ الحضور
وصدقَ البدايات…
نمِي قريرةَ العين،
ففلسطينُ التي أحببتِ …
تعرفُ أسماءَ بناتها،
وتحفظُ في دفاترها
أنكِ كنتِ
ثائرةً بالفكر،
ومفكرةً بالثورة…
سيخلدكِ التاريخُ …
لا لأنكِ عبرتِ المناصب،
بل لأنكِ عبرتِ القلوب،
ولا لأنكِ مثلتِ وطنًا،
بل لأنكِ كنتِ وطنًا
يمشي على قدمين…
سلامٌ على روحكِ
يومَ كنتِ
ويومَ رحلتِ
ويومَ تبعثينَ في ذاكرةِ شعبٍ
لا ينسى…
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
20/2/2026 م

في رثاءِ ليلى شهيد… قراءةٌ في قصيدةِ المناضل الكبير، الشاعر والأديب د. عبد الرحيم جاموس


بقلم الأديبة والشاعرة الفلسطينية أحلام أبو السعود
༺༺༻༻༻༻༺
حين يكتبُ شاعرٌ مناضلٌ في وداعِ مناضلةٍ سفيرة، لا يكون النصُّ رثاءً تقليديًا، بل يتحوّل إلى شهادةِ حقٍّ في حضرةِ التاريخ. هكذا جاءت قصيدة الدكتور عبد الرحيم جاموس في تأبين ليلى شهيد: نصًّا مشحونًا بالرمز، مضمّخًا بالوفاء، ومحمولًا على جناحِ صورةٍ شعريةٍ تتجاوزُ الشخصَ إلى الفكرة، والاسمَ إلى الوطن.
أولًا: العنوان وبنية النداء… استدعاءُ الحضور في لحظة الغياب
يفتتح الشاعر بنداءِ الاسم المفرد: «ليلى…»
هذا التكرار الندائي ليس مجرد لازمة موسيقية، بل هو طقسُ استحضار. كأن الشاعر، في مواجهة الغياب، يتمسّك بالاسم ليمنح الروح استمرارًا. النداء هنا فعل مقاومة للموت، وإصرارٌ على أن الحضور المعنوي أقوى من الرحيل الجسدي.
ثم يأتي التركيب الرمزي الباذخ:
«حين تمشي الفراشة إلى الضوء»
الفراشة رمزُ الرهافة والجمال، لكنها أيضًا رمزُ التضحية؛ تمضي إلى الضوء رغم علمها بخطر الاحتراق. إنها صورة مكثفة لمسيرة المناضل: انجذابٌ واعٍ إلى شعلة القضية، مهما كان الثمن.
ثانيًا: المنفى كحاضنة حلم… والجامعة كفضاء نضال
يقول الشاعر:
«يا ابنةَ الحلمِ حين يورقُ في المنافي»
المنافي هنا ليست جغرافيا فحسب، بل قدرٌ فلسطينيٌّ طويل. غير أن الشاعر يقلب الصورة: المنفى ليس موتًا للحلم، بل تربةً يورق فيها. إنّه تحويلٌ للمنفى من مأساة إلى مختبر وعي.
ويستحضر مدرجات باريس بوصفها مسرحًا لبداية التشكّل السياسي والثقافي، حيث تتحول الطالبة إلى راية، والإنسانة إلى قصيدة تمشي «بين نارٍ وندى».
النار: صلابة الموقف.
الندى: رهافة الحسّ.
وهنا تتجلّى الثنائية التي ميّزت شخصية ليلى شهيد: عقل سياسي صلب، وقلب إنساني دافئ.
ثالثًا: من رفيقة الشهداء إلى سفيرة المعنى
من أعمق مقاطع النص قوله:
«كنتِ رفيقةَ الشهداءِ / لا بالبكاءِ عليهم، / بل بإكمالِ الطريق…»
إنه انتقال من ثقافة الرثاء إلى ثقافة الفعل. الشاعر يعيد تعريف الوفاء للشهداء: ليس دموعًا، بل استمرارًا. وهذه الرؤية تُعلي قيمة المسؤولية التاريخية، وتربط الماضي بالفعل المستقبلي.
ثم يرسم صورة السفيرة التي
«لا تُجيدُ البروتوكولَ بقدرِ ما تُجيدُ حراسةَ المعنى»
يا لروعة هذا التعبير!
فالدبلوماسية هنا ليست أداءً شكليًا، بل حراسة للجوهر الفلسطيني في عواصم السياسة. إنها سفيرة فكرة قبل أن تكون سفيرة دولة، وسفيرة قضية قبل أن تكون ممثلة منصب.
رابعًا: الصورة الشعرية… بين النحلة والفراشة
ينتقل الشاعر إلى ثنائية رمزية أخرى:
النحلة: عملٌ دؤوب، جمعٌ للرحيق من «حقول الألم».
الفراشة: جمالٌ لا تفتنه أضواء العواصم.
بهاتين الصورتين، يقدّم الشاعر قراءة مكثفة لمسيرة ليلى شهيد:
هي التي جمعت رحيق الوطن من وجع المنافي، لكنها لم تذب في بريق أوروبا، ولم تستبدل شمس القدس بأضواء العواصم.
خامسًا: فلسفة الرحيل… العطر الذي يملأ الغرفة
يقول الشاعر:
«رحلتِ كما يرحلُ العطرُ بعد أن يملأَ الغرفة»
هنا يبلغ النص ذروته الجمالية. الرحيل ليس انقطاعًا، بل امتلاء. العطر يغيب جسدًا ويبقى أثرًا. إنها رؤية وجودية رفيعة تجعل من الموت اكتمال حضور، لا انطفاء أثر.
سادسًا: خاتمة ترفع الشخصية إلى مرتبة الرمز
في قوله:
«لا لأنكِ مثلتِ وطنًا، بل لأنكِ كنتِ وطنًا يمشي على قدمين…»
يتحوّل الرثاء إلى تتويج.
ليلى شهيد لا تُختزل في وظيفة، بل تتماهى مع فلسطين ذاتها. إنها الوطن في صورة إنسان، والقضية في هيئة امرأة.
الخصائص الفنية للنص
اللغة: شفافة، مشبعة بالرمز، بعيدة عن الخطابة المباشرة.
الصور البلاغية: اعتمد الشاعر على الاستعارة الكلية (الفراشة، النحلة، العطر)، ما منح النص بعدًا كونيًا.
الإيقاع: تفعيلة حرّة قائمة على التوازي والتكرار، مما عزّز البعد الإنشادي.
الانتقال الدلالي: من الشخصي إلى الوطني، ومن الحدث إلى الرمز.
قراءة ختامية
إن قصيدة الدكتور عبد الرحيم جاموس ليست مجرد تأبين لسفيرة فلسطينية، بل هي بيانٌ شعريٌّ في معنى الالتزام، ورسالة وفاء لجيلٍ آمن أن الكلمة يمكن أن تكون سلاحًا، وأن الدبلوماسية قد تكون امتدادًا للمقاومة.
لقد نجح الشاعر في أن يُشيّد لليلى شهيد ضريحًا من الكلمات، لا تذروه الرياح، بل تحفظه ذاكرة شعبٍ «لا ينسى».
سلامٌ على روحها…
وسلامٌ على كل قلمٍ يكتب الوطن بحبر القلب.

الأديبة والشاعرة الفلسطينية
أحلام أبو السعود

في حضرة الغياب: قراءة في رثائية “الوطن الذي يمشي على قدمين”


بقلم: د. عادل جوده. العراق.
بمشاعر يملؤها الفخر والاعتزاز، وبقلوب مؤمنة بقدر المناضلين الأحرار، نقف اليوم أمام نص أدبي رفيع صاغه د. عبد الرحيم جاموس في وداع القامة الوطنية الكبيرة، السفيرة والمناضلة ليلى شهيد. إنه نص لا يرثي غائباً بقدر ما يستحضر خالداً، ولا يبكي رحيلاً بقدر ما يحتفي بأثرٍ لا يزول.

أولاً:
الرمزية الفلسفية في النص

استطاع د. جاموس أن يختزل مسيرة “ليلى” في صورة “الفراشة التي تمشي إلى الضوء”. لم تكن ليلى شهيد في هذا النص مجرد دبلوماسية تمارس البروتوكول، بل كانت “حارسة للمعنى”. استخدم الكاتب استعاراتٍ تلامس جوهر القضية، فجعل منها “راية لا تنحني” و”قصيدة تمشي بين نار وندى”، وهو وصف يجمع بين رقة الأنوثة وعنفوان الثورة، وبين دبلوماسية الحوار وصلابة الموقف.

ثانياً:
التحول من التمثيل إلى التجسيد

لعل أعمق ما ورد في هذه القراءة الأدبية هو قول الكاتب: “لأنكِ كنتِ وطناً يمشي على قدمين”. هنا ينتقل النص من رصد “الوظيفة” (سفيرة) إلى رصد “الهوية”. فليلى شهيد لم تمثل فلسطين فحسب، بل تمثلتها؛ حملت جراحها في حقيبتها الدبلوماسية، ودافعت عن روايتها في أصعب المحافل الدولية بلسانٍ مثقف وفكرٍ ثائر.

ثالثاً:
لغة العاطفة والصدق

جاء النص ليعزي الروح قبل أن يعزي الأهل والرفاق، خاصة رفيق دربها الدكتور محمد برادة. لقد ربط الكاتب بذكاء أدبي بين المسيرة النضالية (الهمشري والقلق) وبين المسيرة الفكرية والأدبية، ليؤكد أن ليلى كانت “ثائرة بالفكر، ومفكرة بالثورة”. هي تلك “النحلة” التي لم يغوِها بريق العواصم الأوروبية عن شمس القدس، فظلت بوصلتها ثابتة لا تحيد.

رابعاً:
الخلود في ذاكرة الشعوب

يختم د. عبد الرحيم نصّه بيقينٍ تاريخي؛ أن الخلود ليس للمناصب، بل للقلوب التي عبرتها ليلى بصدقها. إنها “العطر الذي رحل بعد أن ملأ الغرفة”، وهذا التشبيه يمنحنا طمأنينة بأن الأثر باقٍ، وأن فلسطين التي “تعرف أسماء بناتها” قد نقشت اسم ليلى شهيد في سجل الخالدين.

خاتمة وتعزية:

نرفع أحر التعازي والمواساة للشعب الفلسطيني، ولعائلة الفقيدة، وللمثقف العربي الكبير د. محمد برادة. لقد كانت ليلى شهيد صوتاً للحق في زمن الصمت، وصورةً مشرقة للمرأة الفلسطينية التي تصنع التاريخ بجمالها وعقلها ونضالها.
رحم الله ليلى شهيد، وسلامٌ على روحها التي ستبقى منارةً للأجيال.

تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com