مكتب الارتباط في غزة… بين متطلبات المرحلة وثوابت الوحدة الفلسطينية.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في سياق التطورات السياسية المتصلة بقطاع غزة، أعلن نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ جاهزية مكتب الارتباط التابع للسلطة الوطنية الفلسطينية لتولي مهامه كاملة، برئاسة رئيس الوزراء الدكتور محمد مصطفى، وذلك في رسالة وُجهت إلى الممثل السامي لشؤون غزة نيكولاي ملادينوف، في إطار التفاعل مع الجهود الدولية، ومنها المبادرة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقرار مجلس الأمن رقم 2803 (2025).

يمثل هذا الإعلان محطة سياسية مهمة في مرحلة انتقالية دقيقة، تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية والإدارية مع الحسابات السياسية والقانونية. ومن هنا، فإن قراءة هذه الخطوة تستوجب مقاربة متوازنة تضع في الاعتبار متطلبات الواقع، دون التفريط بالثوابت الوطنية.

خطوة تنظيمية في سياق معقد ؟؟؟ لا جدال في أن الأوضاع التي مرّ بها قطاع غزة تستدعي إيجاد أطر مؤسسية واضحة لتنظيم العمل الإداري والخدماتي، وتفادي ازدواجية المرجعيات، وترسيخ مبدأ النظام الواحد والقانون الواحد. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى إنشاء مكتب ارتباط باعتباره أداة تنظيمية انتقالية تسعى إلى إعادة انتظام العمل المؤسسي ضمن مرجعية السلطة الوطنية الفلسطينية.

غير أن نجاح هذه الخطوة لا يتوقف على إنشائها فحسب، بل على تعريفها الدقيق، وحدود صلاحياتها، وضمان انسجامها الكامل مع مبدأ وحدة الإقليم الفلسطيني سياسيًا وقانونيًا.

الوحدة الجغرافية… أساس لا يقبل التأويل فمن الثابت قانونيًا أن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 – الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة – تشكل وحدة إقليمية واحدة وفق قرارات الشرعية الدولية. وأي صيغة إدارية أو سياسية يجب أن تنطلق من هذا الأساس، وألا تُفهم باعتبارها تكريسًا لخصوصية منفصلة أو كيان إداري مستقل.

فالوحدة الجغرافية ليست مجرد عنوان سياسي، بل ركيزة قانونية لحق تقرير المصير، وأساس قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وأي التباس في هذا السياق قد ينعكس سلبًا على الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية.

التحفظ على مسمى “مكتب الارتباط” في هذا الإطار، يبرز التحفظ على مسمى “مكتب الارتباط” باعتباره مسألة تتجاوز الشكل إلى المضمون. فالتحفظ على التسمية ليس مسألة شكلية، بل له أبعاد سياسية وقانونية عميقة. فمصطلح “مكتب ارتباط” ارتبط في الوعي الفلسطيني بسياقات تنسيقية محدودة، وأحيانًا بإطارات فرضتها اتفاقيات مرحلية.

وفي الحالة الراهنة، يُخشى أن يُفهم المصطلح باعتباره يعكس علاقة بين “كيانين”، أو بين “سلطتين”، أو أنه ينشئ صيغة تواصل خاصة بقطاع غزة ككيان منفصل، وهو ما يتناقض مع مبدأ وحدة الأرض والسلطة.

لذلك، قد يكون من الأجدر إعادة النظر في التسمية، واعتماد توصيف يؤكد صراحة أن المكتب يمثل امتدادًا مباشرًا للسلطة التنفيذية الفلسطينية في كامل الإقليم، وليس إطارًا تنسيقيًا خاصًا بغزة. فالمسألة ليست إدارية فحسب، بل تتعلق بصياغة الوعي السياسي والقانوني للمجتمع الدولي تجاه القضية الفلسطينية، وبحماية الرواية القانونية الفلسطينية من أي تأويلات قد تُستغل لإعادة تعريف الواقع السياسي على نحو مجتزأ.

 في البعد الإقليمي والدولي ، لا يمكن فصل هذه الخطوة عن السياق الدولي الأوسع، سواء ما يتعلق بخطة النقاط العشرين، أو بقرار مجلس الأمن 2803، أو بجهود إعادة الإعمار وترتيبات ما بعد الحرب. وتبدو السلطة الفلسطينية في هذا السياق حريصة على التفاعل مع المبادرات الدولية، بما يحفظ موقعها القانوني ويعزز دورها المؤسسي.

غير أن التجارب السابقة تؤكد أن الأطر الانتقالية قد تتحول إلى ترتيبات طويلة الأمد إذا لم تُحدد بوضوح طبيعتها المؤقتة وسقفها السياسي، وهو ما يستوجب يقظة قانونية وسياسية متواصلة.

بين الواقعية والثوابت ؟؟؟ تبرز أهمية التحدي الحقيقي لا يكمن إنشاء مكتب أو لجنة تحت مسمى مكتب ارتباط ، بل في ضمان أن تكون هذه الأطر أدوات لتعزيز الوحدة وإنهاء الانقسام، لا مدخلًا لإعادة إنتاجه بصيغة جديدة. فالمرحلة تتطلب قدرًا من الواقعية السياسية في التعامل مع التعقيدات القائمة، لكنها تفرض في الوقت ذاته تمسكًا صارمًا بوحدة الأرض والسلطة والقرار.

إن أي مسار إداري في غزة يجب أن يُفهم باعتباره خطوة في سياق إعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية، وتعزيز الشراكة الوطنية، تمهيدًا لاستعادة العملية السياسية على أساس قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين.

وعليه فان إعلان جاهزية مكتب الارتباط في غزة يمكن أن يشكل خطوة إيجابية في إطار إعادة تنظيم العمل المؤسسي وتخفيف معاناة المواطنين، إذا أُدير ضمن رؤية وطنية واضحة تؤكد أن غزة ليست ملفًا إداريًا منفصلًا، بل جزء لا يتجزأ من الجغرافيا والسيادة الفلسطينية.

فالرهان الحقيقي هو أن تبقى الأطر الانتقالية جسورًا نحو الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، لا بدائل عنها، وأن تُصاغ المصطلحات والسياسات بما يحمي وحدة الأرض، ويصون الحق الوطني في تقرير المصير ضمن إطار الشرعية الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com