إغواءُ النبض… نصٌ بقلم/ د. عبدالرحيم جاموس

لا تثقْ بقلبِكَ…
فليس كلُّ ما يخفقُ نورًا،
ولا كلُّ ما يشتعلُ دفئًا…
في صدركَ يقيمُ صيّادٌ عتيق،
يحملُ قوسًا من رغبةٍ،
وسهامًا من حنين،
ويعرفُ دروبَ الدمِ
أكثرَ ممّا يعرفُ دروبَ النجاة…
قلبُكَ…
ذلك العازفُ الماكرُ،
يُجيدُ لحنَ الرجفة،
ويُتقنُ إغواءَ النبض،
يربّتُ على كتفكَ …
كصديقٍ قديم،
ثم يفتحُ في جدارِ روحكَ …
نافذةً للريح،
ويهمس:
اقفزْ…
فالسماءُ أقربُ ممّا تظنّ….
لا تثقْ به …
حينَ يُزيّنُ لكَ الهاويةَ…
ويكسوها برداءِ الحلم،
حين يُسمّي الاحتراقَ …
شغفًا،
والنزيفَ وفاءً،
والانكسارَ بطولة…
قلبُكَ نبيذُكَ الأحمر ،
أوّلُه نشوة،
وثانيه غياب،
وثالثُه سكينٌ من ذكرى…
هو طفلٌ مدلّلٌ،
يبكي إن لم تُطعْه،
ويكسرُ ألعابَكَ إن خالفتَه،
ويبتسمُ في الخفاء …
كلّما رآكَ تمشي إلى معركةٍ …
بلا درعٍ …
إلا اندفاعَكَ الأعمى…
إنه لا يريدُ خلاصَكَ،
بل اكتمالَ تجربتهِ فيكَ؛
يريدُ أن يختبرَ حدودَ الألم،
أن يقيسَ مساحةَ صبركَ …
بمقياسِ الخيبة،
وأن يرى…
كم يحتملُ اسمُكَ …
من شظايا الشغف…
ومع ذلك…
لا تقتُلْه …
روّضْهُ …
كما يُروَّضُ حصانٌ بريّ،
شدَّ على لجامِ الرغبةِ …
كي لا يجرّكَ …
إلى صحراءِ السراب،
واسقِهِ من ماءِ الحكمةِ…
كي لا يرتوي من وهمٍ …
كلّما عطشَ المعنى…
اجعلْ عقلَكَ قنديلَه،
ووعيَكَ ميزانَه،
ولا تتركْهُ …
سلطانًا بلا دستور…
فالقلبُ إن تُركَ وحده …
صار طاغيةَ الدم،
وإن أُحسنَ إصغاؤه …
صار بوصلةَ النور …
لا تثقْ بقلبِكَ ثقةَ الغافل،
ولا تخُنْهُ خيانةَ القاسي،
بل امشِ بينه وبينكَ …
على حدِّ السيف؛
هناك…
حيثُ لا يكونُ الدمُ
هو الثمنَ الوحيدَ للحياة،
بل المعنى …
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
23/2/2026 م
قراءة أدبية لنص
[ اغواء ُ النبض]
للكاتب الدكتور عبد الرحيم جاموس
قراءة بقلم: د. عادل جوده. العراق..
هذا النص..
ينتمي إلى طرازٍ تأمّليّ رمزيّ عميق، تتداخل فيه الحكمة مع الشعر، والتحذير مع الاعتراف الإنسانيّ الدقيق. يفتتح الكاتب خطابه بنبرة وصيّة: «لا تثق بقلبك»، فيكسر منذ البدء الصورة الرومانسيّة الشائعة للقلب بوصفه موضع الطهر المطلق، ويستبدلها بصورة أكثر تعقيدًا: القلب ككائنٍ مراوغ، جميل الخطر، يهب اللذّة كما يورث الهلاك. هنا تتجلّى قوّة النصّ في مساءلة المسلّمات، لا في إعادة إنتاجها.
تتوالى الاستعارات في نسقٍ تصاعديّ: القلب صيّاد، ثم عازف ماكر، ثم نبيذ أحمر، ثم طفل مدلّل، وأخيرًا حصان بريّ. هذا التعدّد الصوري لا يشتّت المعنى، بل يعمّقه؛ إذ يكشف وجوه القلب المتحوّلة بين الإغواء والبراءة والتمرّد. فالصيّاد يدلّ على الغريزة، والعازف يرمز للإيقاع العاطفيّ، والنبيذ يحيل إلى نشوة تفضي إلى الغياب، والطفل إلى الأنانيّة البريئة، والحصان إلى الطاقة الخام التي لا تُهذَّب إلا بالوعي. هكذا يصبح القلب كيانًا حيًّا، لا مجرّد عضوٍ داخليّ، بل قوّة وجوديّة لها إرادة ومكر وتجربة.
لغة النصّ مشحونة بطاقة إيحائيّة عالية، قائمة على التضادّ: النور/الهاوية، الشغف/الاحتراق، الوفاء/النزيف، البطولة/الانكسار. هذه الثنائيّات تُبرز الفكرة المركزيّة: أنّ العاطفة حين تنفصل عن العقل تتحوّل من خلاصٍ محتمل إلى طغيان دمويّ. غير أنّ الكاتب لا يسقط في خطاب عدائيّ ضد القلب، بل يمنحه موقعًا أخلاقيًّا متوازنًا؛ فهو لا يدعو إلى قتله، بل إلى ترويضه، ولا إلى خيانته، بل إلى تهذيبه. وهذا ما يمنح النصّ نضجه الفلسفيّ، إذ يتجاوز ثنائيّة العقل ضد القلب إلى جدليّة المصاحبة بينهما.
البنية الخطابيّة تعتمد أسلوب النداء والتحذير، فتبدو الجمل كأنّها تُلقى على قارئٍ يسير في دربٍ خطر. إنّها لغة تقريعيّة حنون في آنٍ معًا، تُشبه خطاب الحكيم لمن يحبّ، لا خطاب الواعظ المتعال. ويتجلّى ذلك في الخاتمة التي ترتقي من التحذير إلى الرؤية: السير بين القلب والعقل «على حدّ السيف» حيث لا يكون الدم ثمن الحياة، بل المعنى. هنا يبلغ النصّ ذروته الدلاليّة، إذ يجعل المعنى غاية التجربة، لا الألم ذاته.
إنّ هذا النصّ لا يصف القلب، بل يفسّره وجوديًّا، ولا يحاكم العاطفة، بل يعيد وضعها في نظام القيم. وهو بذلك نصّ جدير بالنشر لما فيه من توازن فكريّ، وثراء رمزيّ، ولغة مشحونة بالإيحاء، تجعل القارئ شريكًا في التأمّل، لا مجرّد متلقٍّ للبلاغة.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹
قراءة نقدية في نصّ
“إغواء النبض”
للمناضل الفلسطيني الكبير د. عبد الرحيم جاموس
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕

بقلم: الشاعرة والأديبة الفلسطينية
د. أحلام أبو السعود
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
حين يكتب الدكتور عبد الرحيم جاموس، لا يكتب بوصفه شاعرًا فحسب، بل بوصفه مناضلًا خبرَ الميدان كما خبرَ المعنى، فعاش الصراع في الخارج كما عاشه في الداخل؛ ولذلك جاءت قصيدته “إغواء النبض” نصًا وجوديًا مشبعًا بالحكمة، متخمًا بتجربة الإنسان حين يقف بين شهوة القلب وصوت العقل، بين الاندفاع والبصيرة.
أولًا: البنية الفكرية للنص
يقوم النص على جدلية دقيقة بين القلب والعقل، لكن الشاعر لا يقدّمها في صورة صراع تقليدي بين العاطفة والمنطق، بل يرتقي بها إلى مستوى أعمق:
إنه صراع بين الاندفاع غير المُروَّض والوعي المنظِّم للطاقة الإنسانية.
يفتتح النص بعبارة تحذيرية:
“لا تثق بقلبك…”
وهي صيغة أمر، لكنها ليست أمرًا قاطعًا بقدر ما هي جرس إنذار وجودي. فالقلب عنده ليس منبع النقاء المطلق، بل كائن مركّب، يحمل النور والهاوية معًا. هنا يخرج الشاعر من الرومانسية التقليدية التي تمجّد القلب دون مساءلة، إلى رؤية أكثر نضجًا وواقعية.
ثانيًا: الصورة الشعرية وبلاغة التشخيص
تميّز النص بكثافة الصورة البلاغية، لا سيما تقنية التشخيص؛ فالقلب ليس عضوًا نابضًا، بل:
“صيّاد عتيق”
“عازف ماكر”
“نبيذ أحمر”
“طفل مدلّل”
“طاغية الدم”
هذا التعدّد في الأقنعة يمنح القلب أبعادًا درامية ثرية، ويحوّله إلى شخصية حية داخل النص. وهو أسلوب يذكّرنا بالقصائد الفلسفية الحديثة التي تُنطق المفاهيم وتمنحها جسدًا وسلوكًا.
أجمل ما في هذا التشخيص أنه غير أحادي؛ فالشاعر لا يُدين القلب إدانة مطلقة، ولا يُبرّئه تبرئة كاملة، بل يعرضه في حالاته المختلفة، ككائن يتأرجح بين الإغواء والهداية.
ثالثًا: الرمزية والدلالة
يحفل النص برموز شفيفة وعميقة:
القوس والسهام: رمز للرغبة التي تُصيب دون استئذان.
النافذة للريح: إشارة إلى فتح الذات على المجهول.
النبيذ الأحمر: استعارة مركبة تجمع النشوة بالألم.
اللجام والحصان البري: صورة الانضباط لا القمع.
القنديل والميزان: رمزا العقل والوعي.
وهنا تتجلّى حكمة الشاعر حين يقول:
“لا تقتلْه… روّضه…”
فهو لا يدعو إلى قمع العاطفة، بل إلى تهذيبها. وهذه رؤية إنسانية راقية؛ إذ إن الحضارة لا تُبنى بقتل القلب، بل بترشيده.
رابعًا: الإيقاع الداخلي
النص نثري شكلاً، لكنه شعري روحًا وإيقاعًا.
تكرار “لا تثق” و”حين” و”قلبك” يمنح القصيدة إيقاعًا داخليًا متواترًا يشبه نبضًا متسارعًا، وكأن البناء اللغوي ذاته يحاكي موضوع القصيدة.
كما أن التدرّج في الجُمل من القصير إلى الطويل يخلق حركة نفسية تتصاعد حتى تبلغ ذروتها في العبارة الختامية:
“امشِ بينه وبينك… على حدّ السيف”
وهي خاتمة فلسفية بليغة، تلخّص رؤية النص كاملة:
التوازن هو النجاة.
خامسًا: البعد النضالي المستتر
ورغم أن النص يبدو تأمليًا ذاتيًا، إلا أن قارئ تجربة الدكتور جاموس يدرك أن “القلب” هنا قد يرمز إلى الاندفاع الثوري غير المحسوب، وأن “العقل القنديل” هو وعي القضية وإدارة الصراع.
فالقصيدة، في عمقها، خطابٌ للإنسان المناضل:
لا تدع الحماسة تحرقك، ولا تدع الحكمة تُجمّدك.
سر بين النار والنور.
سادسًا: القيمة الأدبية
النص يحقق عدة عناصر جمالية:
وحدة موضوعية متماسكة.
صور مبتكرة غير مستهلكة.
لغة عالية مشبعة بالانزياح الدلالي.
رؤية فكرية ناضجة.
ولعل أجمل ما فيه أنه لا يُقدّم أجوبة جاهزة، بل يترك القارئ في منطقة التوازن الحاد، حيث المعنى لا يُمنح، بل يُكتشف.
وأخيرا……..
“إغواء النبض” ليست قصيدة عن القلب فحسب، بل عن الإنسان حين يواجه ذاته.
هي نصّ يُذكّرنا بأن أخطر المعارك ليست تلك التي نخوضها في الميدان، بل تلك التي تدور في الصدر بين الرغبة والبصيرة.
لقد قدّم د. عبد الرحيم جاموس نصًا يزاوج بين الشعر والحكمة، بين التجربة والتأمل، بين الثورة والاتزان.
نصٌّ يعلّمنا أن القلب إذا استبدّ أوردنا موارد الهلاك، وإذا أُحسن الإصغاء إليه صار بوصلة نور.
وما بين الطغيان والهداية…
تولد القصيدة.
~~~~~~~
د. أحلام أبو السعود
غزة – فلسطين 🇵🇸



