الديمغرافيا… من هاجس الأغلبية إلى سؤال مستقبل الدولة…!.. بقلم / د. عبدالرحيم جاموس

أعادت التسريبات المنسوبة إلى “ملفات إبستين” عام 2026 طرح السؤال الأكثر حساسية في إسرائيل: ماذا لو لم تعد الديمغرافيا في صالح مشروع التفوق العددي؟ فارتباط اسم رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك بنقاشات حول استقدام “مليون مهاجر إضافي من الدول الناطقة بالروسية”، إلى جانب رجل الأعمال المدان جيفري إبستين، لا يُقرأ فقط من زاوية أخلاقية أو سياسية عابرة، بل يكشف عمق القلق البنيوي: الخوف من اختلال الميزان السكاني.
منذ التأسيس، ارتكز المشروع الصهيوني على ضمان أغلبية يهودية مستدامة بوصفها حجر الزاوية في تعريف الدولة وهويتها.
لذلك كانت الهجرة أداة استراتيجية، لا خياراً اقتصادياً فحسب.
موجات التسعينيات من الاتحاد السوفيتي السابق أعادت ترجيح الكفة، وأسهمت في تعزيز قطاعات التكنولوجيا والجيش والبحث العلمي.
غير أن التحولات اللاحقة تشير إلى معادلة زمنية أكثر تعقيداً: تباطؤ نسبي في بعض معدلات النمو اليهودي، مقابل استمرار نمو فلسطيني مرتفع داخل الخط الأخضر وفي الضفة الغربية وقطاع غزة.
ومع تقارب الكتلتين سكانياً في فلسطين التاريخية، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن الحفاظ على تعريف إثني حصري لدولةٍ يعيش عليها شعبان؟
إن اللجوء إلى “حلول ديمغرافية” عبر استجلاب مهاجرين جدد – مع حديث عن “جودة المهاجرين” وتأثيرهم الثقافي والاقتصادي – يعكس نزعة هندسة اجتماعية تهدف إلى إعادة تشكيل البنية السكانية بما يضمن استمرار الهيمنة.
غير أن الديمغرافيا ليست رقماً يُستورد؛ إنها مسار تاريخي يتفاعل مع الأرض والهوية والحقوق.
وكلما اقترب الميزان من التعادل، تتعاظم كلفة الحفاظ على التفوق عبر سياسات تمييزية أو توسعية، وتصبح شرعية النظام موضع مساءلة داخلية ودولية.
من هنا، لا تبدو الأزمة مجرد خلل في الأرقام، بل أزمة في تعريف الدولة نفسها.
فالدولة التي تُبنى على أولوية جماعة واحدة في الحقوق والسيادة تواجه مأزقاً حين تتساوى الجماعات عدداً أو تتقارب.
عندها ينتقل السؤال من “كيف نحافظ على أغلبية؟” إلى “كيف نضمن العدالة والاستقرار؟”.
وهذا التحول لا تحسمه الهندسة الديمغرافية، بل تحسمه السياسة.
إذا كان التحول الديمغرافي يؤشر إلى حدود النموذج القائم، فإن البديل المنطقي هو الحل الديمقراطي القائم على المواطنة الكاملة والمساواة أمام القانون، بلا امتيازات إثنية أو دينية.
في هذا الإطار، لا يكون الحديث عن “تقاسم الأرض”، بل عن دولة يعيش عليها / وفيها شعبان بحقوق متساوية، تُفكَّك فيها البُنى العنصرية و التمييزية، ويُعاد تعريف الشرعية على أساس الإنسان لا الانتماء العرقي.
إن تفكيك المنظومة العنصرية – التي قامت على اساس التفوق العددي والسيطرة السياسية – يصبح شرطاً لبقاء كيان سياسي قابل للحياة، لا تهديداً له.
إن الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير، وإنهاء نظام الامتيازات، ليس طرحاً مثالياً، بل استجابة واقعية لتحول ديمغرافي يفرض نفسه.
فحين تتقارب الأعداد، يصبح العدل قاعدة الاستقرار الوحيدة.
وكل رهان على إدامة تفوق عددي عبر أدوات استثنائية أو تحالفات ظرفية إنما يؤجل الاستحقاق ولا يلغيه.
الديمغرافيا لا تُسقط الدول بذاتها، لكنها تكشف هشاشة الأسس التي تقوم عليها.
وفي فلسطين التاريخية، يبدو أن الزمن يعمل لصالح معادلة جديدة: دولة ديمقراطية يعيش فيها و عليها شعبان، تُبنى على اساس من المواطنة والمساواة، وتُنهي حقبة الامتياز الإثني والعنصري .
عندها فقط يتحول الصراع من معركة أعداد وصراع وجود إلى أفق تعايش و عدالة واسع ، يضمن الحياة الكريمة للجميع، ويضمن الامن والإستقرار لجميع دول وشعوب المنطقة .
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
27/2/2026 م
أهلاً بك. هذا المقال للدكتور عبدالرحيم جاموس يقدم قراءة رصينة ومحملة بدلالات سياسية وفلسفية عميقة حول واحدة من أعقد قضايا الصراع في فلسطين التاريخية:
المعضلة الديمغرافية.
يتميز النص بلغة فصيحة، وقدرة على الربط بين الأحداث الراهنة (تسريبات 2026) والجذور البنيوية للمشروع الصهيوني.
إليك تحليل لأبرز النقاط التي تجعل من هذا المقال مادة فكرية دسمة:
تحليل المرتكزات الفكرية للمقال
١ ـ الديمغرافيا كأداة “هندسة
اجتماعية”
يشير الكاتب بذكاء إلى أن الهجرة في الفكر الصهيوني ليست مجرد انتقال سكاني، بل هي سلاح استراتيجي. الربط بين “إبستين” و”باراك” ومسألة المليون مهاجر يوضح أن البحث عن “التفوق العددي” قد يدفع الدولة للتحالف مع قوى مشبوهة لضمان بقاء الغلبة العددية، مما يضع الأخلاق في مواجهة الأيديولوجيا.
٢ـ مأزق “الدولة الإثنية” أمام الواقع السكاني
يطرح المقال إشكالية جوهرية:
كيف تستمر دولة في تعريف نفسها كدولة لمجموعة واحدة بينما الواقع على الأرض يشير إلى تساوٍ عددي بين مجموعتين؟
الكتلة الفلسطينية:
نمو طبيعي مستدام.
الكتلة اليهودية:
اعتماد على “استيراد” السكان لمواجهة التباطؤ.
هذا التباين يحول الديمغرافيا من أرقام في سجلات النفوس إلى قنبلة موقوتة تهدد شرعية النظام التمييزي.
٣ – التحول من “صراع الأعداد” إلى “أفق العدالة”
هذه هي النقطة الأكثر تأثيراً في المقال ..
حيث ينتقل الدكتور جاموس من توصيف الأزمة إلى طرح البديل التاريخي.
يرى أن الحل لا يكمن في “الهندسة السكانية” (التي يصفها بالفشل طويلاً)، بل في تفكيك البنية العنصرية لصالح نموذج ديمقراطي يقوم على:
المواطنة الكاملة.
المساواة أمام القانون.
إنهاء الامتيازات الإثنية.
القيمة السياسية والأسلوبية للمقال
الواقعية السياسية:
المقال لا يبيع أوهاماً، بل يستند إلى حقائق ديمغرافية لفرض حلول سياسية. هو يقول بوضوح:
“العدل هو قاعدة الاستقرار الوحيدة عندما تتقارب الأعداد”.
الرقي اللغوي:
استخدم الكاتب تعبيرات قوية مثل “هندسة اجتماعية”، “قلق بنيوي”، و*”تفكيك المنظومة العنصرية”*، وهي مصطلحات تمنح المقال صبغة أكاديمية وسياسية رفيعة.
الاستشراف:
المقال يقرأ المستقبل من خلال عدسة الحاضر، معتبراً أن الزمن يعمل كعامل تعرية للأسس الهشة التي قامت عليها الدولة على أساس التمييز.
الخلاصة
المقال هو صرخة عقلانية في وجه سياسات الفصل، ودعوة لإعادة تعريف الدولة لتستوعب “الإنسان” لا “العرق”. إنه ينتقل بالقضية الفلسطينية من مربع “الضحية” إلى مربع “صاحب الرؤية المستقبلية” للاستقرار في المنطقة.
“الديمغرافيا لا تُسقط الدول بذاتها، لكنها تكشف هشاشة الأسس التي تقوم عليها.”

قراءة بقلم: د. عادل جوده.العراق.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



