حماس، والجهاد، والحرب على إيران!.. توفيق أبو شومر

ما انعكاسات الحرب الجارية في إيران على الحزبين الإسلاميين في فلسطين؟
لا شك أن نتائج هذه الحرب سيكون لها أثار بارزة على حركتي، الجهاد الإسلامي، وحركة حماس!
إن الحركتين الإسلاميتين كانتا الأكثر قربا إلى إيران، وكانتا تتلقيان الدعم المالي والعسكري من إيران، كما أن الحركتين تتلمذتا عسكريا على يد حزب الله، وابتعدتا عن منظمة التحرير الفلسطينية، لأن الحركتين لا تؤمنان بكثير من مبادئ ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، فهما تعارضان السلطة الفلسطينية واتفاقية أوسلو، كما أن أهم مبادئ الحركتين لا تتوافق مع مبادئ منظمة التحرير الفلسطينية، ولا سيما في قضية مركزية، وهي أن الحركتين السابقتين تؤكدان على أنهما حركتان عربيتان إسلاميتان، ولا تنصان على عالمية القضية الفلسطينية في مبادئ الحركتين، ولا تعتبران قضية فلسطين قضية تحرر دولية عالمية!
فقد نص ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية في المادة 16: “إن تحرير فلسطين بالنسبة للعالم هو مبدأ رئيس نص عليه ميثاقُ الأمم المتحدة”
جاء في المادة 21 من ميثاق منظمة التحرير: “يؤمن الشعب الفلسطيني بمبادئ العدالة والحرية، ويؤيد جميع المساعي الدولية التي تهدف لإقرار السلام، على أساس الحق والتعاون الدولي الحر”!
انطلاقا من هذا الميثاق سارعت منظمة التحرير الفلسطينية في بداية ظهورها للانضمام إلى منظومة دول عدم الانحياز في القرن الماضي، هذه المنظومة كانت تضم 121 دولة، هدفها أن تشكل محورا وسطيا بين قطبي العالم الرئيسيين (الشيوعية والرأسمالية) كانت دول عدم الانحياز كانت تمثل ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بما يمثل 55 % من سكان العالم، انضمت منظمة التحرير لدول عدم الانحياز عام 1970م بصفتها مراقبا، ثم أصبحت عضوا كاملا عام 1975م، وكان أبو عمار يشارك في كل مؤتمرات عدم الانحياز برفقة الرئيس، تيتو اليوغسلافي، والرئيس، نهرو الهندي، والرئيس جمال عبد الناصر المصري، كرئيس دولة فلسطين!
كانت منظمة التحرير تشارك في حل الخلافات بين كل دول تلك المنظومة أيضا!
أما حركة الجهاد الإسلامي التي أسسها، فتحي الشقاقي كفكرة في البداية عام 1978م ثم أُعلن عنها كحركة مقاومة فلسطينية باسم حركة الجهاد الإسلامي عام 1981م عَرَّفتْ الحركةُ نفسَها في ميثاقها: “أنها حركة إسلامية، تهدف لتحرير فلسطين بالكامل، لغرض إقامة حكم إسلامي على أرض فلسطين، وأنها تلتزم بالإسلام عقيدة ونظام حياة، وتؤمن بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وأن وجود إسرائيل باطلٌ، يحرم الاعتراف به، وأن الجماهير الإسلامية والعربية هي العمق للشعب الفلسطيني”! كما أن حركة الجهاد الإسلامي لم توافق على نهج منظمة التحرير الذي نص على اعتماد الدبلوماسية نهجا مرغوبا فيه، لذا خاضت المنظمة مفاوضات مع إسرائيل!
من يتابع ميثاق حركة الجهاد الإسلامي فإنه يستنتج بأن أهداف الحركة لم تؤكِّد بصورة واضحة عالمية الحركة وانفتاحها على مجموع دول العالم، ومشاركة العالم الحر في شجب الاحتلال، كانت تعتبر العالمية شعاراتٍ خطابيةً وليست مبدأ من مبادئ حركة الجهاد الإسلامي، مثلما نصت عليه مبادئ الميثاق الوطني الفلسطيني، وهذا يجعلها تختلف عن منظمة التحرير، لذلك فإن حركة الجهاد الإسلامي منذ تأسيسها على يد مؤسسها الأول، فتحي الشقاقي عام 1978م ظلت تبتعد عن المشاركة في الحكومات، وتكتفي بالاعتراض على ما يصدر من السلطة الفلسطينية من القرارات! كما إن حركة الجهاد الإسلامي لم تُفلح حتى في أن تجمع حولها العالم العربي السني، كما أنها تحالفت مع إيران الشيعية كداعم سياسي ومالي، لذلك فقد صنفتها الدول العربية السنية حركة شيعية تُسيرها إيران! على الرغم من أن هذه الحركة أعلنت أنها لا تتبع إيران، غير أنها أكدت أنها تتحالف معها في مواجهة إسرائيل.!
أما حركة حماس التي أُسست 10-12-1987م فهي أيضا الحركة الإسلامية الثانية في فلسطين التي لا توافق على معظم بنود ميثاق منظمة التحرير، فهي أيضا تُشير إلى أنها جزءٌ من حركة (النهضة الإسلامية) ترتبط فكريا بجماعة الإخوان المسلمين! جاء في وثيقتها المنشورة يوم 1-5-2017م في بند رقم 20: “إن إقامة دولة فلسطينية، وعاصمتها القدس على حدود الرابع من شهر يونيو 1967م هي صيغة توافق وطنية مشتركة، تؤكد أنه لا تنازل عن أي جزء من أرض فلسطين مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال”!
حاولت أن أفهم من البند السابق أن حركة حماس وافقت على إنشاء دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، قرأتُ النص أكثر من مرة ولكنني فشلتُ في معرفة الجواب الصحيح، فهل وافقت، أم أنها رفضت رفضا مُبطنا مبدأ منظمة التحرير (تشكيل حكومة فلسطينية على ما يُتاح لنا من أرض)؟!
وعندما قرأت بنود حركة حماس التالية أيقنت أنها رفضت النص السابق رفضا تاما، ولم توافق على ما وافقت عليه منظمة التحرير، لأن بقية مبادئ حركة حماس تؤكد الرفض وليس القبول، ففي الوثيقة نفسها في البند 27 تقول: “لا بديل عن إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل التراب الوطني الفلسطيني وعاصمتها القدس” (كل التراب الوطني الفلسطيني، وليس حدود الرابع من يونيو 1967م)!
إن عالمية قضية فلسطين كانت جوهر النضال الفلسطيني، وسوف أظل أتذكر كيف أن معسكرات المقاومة الفلسطينية كانت بؤرة إشعاع دولية عالمية للحُريات في ستينيات القرن الماضي، لذلك فإن كثيرين من أحرار العالم من الدول العالمية، غير العربية والإسلامية، كانوا يتوافدون على مقرات منظمة التحرير يعمِّدون حرياتهم فيها، يشاركونها في مبادئها، لإيمانهم بأن منظمة التحرير حركة تحرر عالمية تستحق الدعم المالي والمعنوي.
فهل إغفال حركتي حماس والجهاد مبدأ عالمية القضية الفلسطينية كان يرمي للإطاحة بعالمية القضية الفلسطينية، لتصبح قضية نزاع محدودة، بين الفلسطينيين وإسرائيل؟!
إن الحركتين ركزتا على العرب والمسلمين فقط، وأهملتا بُعدها الدولي والعالمي، حتى أن كثيرا من دول العرب لم تقتنع بمبادئ حركتي حماس والجهاد، لذلك فإن كثير من دول العرب لم يُرحبوا ببرنامج الحركتين، كما أن الحركتين ناصرتا انشقاقات وثورات محلية في العالم العربي بحجة أنهما تشتركان في المبدأ نفسه، مثلما حدث في مصر عندما ناصرت حركة حماس صعود الإخوان المسلمون إلى سدة الحكم في مصر، مما أدى إلى فقدان حماس والجهاد معظم الدعم العربي لقضية فلسطين، فلجأت المنظمتان للحصول على الدعم الإيراني كبديل لهذا الخلل، مما زاد العداء العربي السني للحركتين، باعتبار أن الحركتين انضمتا للحلف الإيراني الشيعي، بخاصة عندما وثَّقتْ الحركتان العلاقة مع حزب الله في لبنان، وأصبحت الحركتان تعتبران حزب الله هو مرشدهما العسكري والأيديولوجي!
لقد فهمت إسرائيل ذلك فهما دقيقا، وعملت على تغذيته، وأعدتْ الخطط لمواجهته وكانت تُعد الخطط لإضعاف هذا المحور الجديد، المسمى محور المقاومة، وكانت تعلم أن الهدف الرئيس لإسقاط هذا المحور هو شن هجوم واسع على إيران، باعتبار إيران هي المحرك الرئيس للإرهاب في العالم، فلم يكن الهجوم على إيران عفويا أو بسبب الملف النووي الإيراني، بل كان لإضعاف الراعي الإيراني المناصر لمحور المقاومة! مع العلم أن إسرائيل نجحت في إزاحة حزب الله عن ملف غزة بعد كارثة السابع من أكتوبر، لهدف إنهاء قضية فلسطين!
بدأ تنفيذ هذه الخطة بعمليات الاغتيال، اغتالت إسرائيل صالح العاروري في بيروت يوم 2-1-2024م، ثم نفذت خطة تفخيخ أجهزة البيجر لأنصار حزب الله في لبنان 17-9-2024م، ثم اغتالت أشهر زعماء المقاومة، حسن نصر الله قائد حزب الله في لبنان 27-9-2024م، ثم اغتالت، إسماعيل هنية زعيم حركة حماس في طهران 31-7-2024م، وحديثا اغتالت، على خامينئي 28-2-2026م، وهو أهم الشخصيات الدينية في إيران وعددا كبيرا من الشخصيات الإيرانية!
كشف، جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب جزءا من الخطة الإسرائيلية، حين صرح في تغريدة قائلا: “إن يوم اغتيال، حسن نصر الله هو أهم يوم في الشرق الأوسط، هذا اليوم يأتي في المرتبة الثانية بعد اتفاقية أبراهام”!
وقال في تغريدة أخرى: “إن سبب امتناع إسرائيل عن تدمير مفاعلات إيران النووية يوم 13-6-2025م، هو خوف إسرائيل من أن يقوم حزب الله باستخدام صواريخه ضد إسرائيل، لأن حزب الله الأقرب إلى حدود إسرائيل، لذلك قررت إسرائيل أن تفاجئ حزب الله بالهجوم عليه، لذا أرجأت قصف المخابئ السرية للمفاعلات النووية في إيران”!
هل ستنجح إسرائيل في تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط، تمهيدا لتحقيق حلمها في أن تصبح عروس الشرق الأوسط المطلوبة والمرغوبة، بحيث تتوج زعيما عسكريا، وتجاريا، مطلوبا الشراكة معه وفق الخطة الإبراهيمية؟!



