استغلال الحرب على إيران لتشكيل الشرق الأوسط… وإسرائيل فيه أولاً!.. بقلم د.عبدالرحيم جاموس

ليست الحروب الكبرى في الشرق الأوسط مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل لحظات مفصلية يُعاد فيها ترتيب موازين القوى وصياغة خرائط النفوذ. والحرب على إيران – إن اتسعت أو طال أمدها – قد تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الإقليم سياسياً وأمنياً، بما يضع إسرائيل في موقع القلب من هذا التشكيل. غير أن أي قراءة استراتيجية جادة لا يمكن أن تتجاهل السؤال الجوهري: ماذا عن الشعب الفلسطيني وقضيته، حجر الأساس في استقرار المنطقة أو اضطرابها؟
من منظور إسرائيلي، تمثل المواجهة مع إيران فرصة لإعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها.
إضعاف طهران يعني تقليص نفوذها الإقليمي، وإعادة تثبيت معادلات ردع جديدة، وفتح المجال أمام منظومة تحالفات أوسع تُكرّس إسرائيل شريكاً أمنياً محورياً في الإقليم.
وفي ظل مخاوف مشتركة من التهديدات العابرة للحدود، قد تتعزز شبكات التعاون العسكري والتقني، بما يمنح إسرائيل موقعاً متقدماً في أي بنية شرق أوسطية ناشئة.
لكن إعادة تشكيل المنطقة على وقع الحرب لا تتعلق فقط بإيران وإسرائيل.
فثمة بعد سياسي أعمق يتمثل في موقع القضية الفلسطينية داخل هذا التحول.
تاريخ الصراع يُظهر أن محاولات تجاوز هذه القضية أو القفز فوقها لم تُنتج استقراراً دائماً، بل أفرزت دورات متكررة من الانفجار. من هنا، فإن بناء شرق أوسط جديد يتجاهل إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس، لن يكون سوى إعادة إنتاج لأسباب التوتر ذاتها في صيغة جديدة.
إن أي نظام إقليمي يُراد له أن يكون مستقراً يحتاج إلى شرعية سياسية وأخلاقية، وهذه الشرعية لا يمكن أن تُستمد من ترتيبات أمنية صرفة أو تحالفات عسكرية عابرة.
فالاستقرار الحقيقي يقوم على معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حق تقرير المصير.
وإلا فإن حالة الاحتقان ستظل كامنة تحت السطح، قابلة للاشتعال عند أول اختبار.
الحرب على إيران قد تُستخدم لإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، بحيث تتقدم ملفات الأمن ومواجهة النفوذ الإقليمي على حساب ملفات الحلول السياسية.
غير أن هذا الترتيب، إن همّش القضية الفلسطينية، سيحمل في داخله بذور عدم الاستقرار.
فالشعوب لا تنظر إلى خرائط التحالفات بقدر ما تنظر إلى العدالة والكرامة الوطنية، وأي نظام إقليمي لا يراعي ذلك سيبقى هشّاً مهما بدا متماسكاً في الظاهر.
ثم إن إسرائيل نفسها، رغم سعيها لتكريس تفوقها العسكري والاندماج الإقليمي، تدرك أن بقاء الصراع الفلسطيني دون حل عادل يُبقيها في حالة استنزاف دائم، أمنياً وسياسياً وأخلاقياً.
فالتطبيع والتحالفات لا يمكن أن تُغني عن تسوية تاريخية تُنهي الاحتلال وتؤسس لعلاقة طبيعية بين دولتين تعيشان على أرض واحدة، لكل منهما حقوق معترف بها دولياً.
من هنا، يصبح السؤال عن مصير الشعب الفلسطيني ليس ملحقاً بالتحليل، بل مركزه.
فإذا كان الهدف من إعادة تشكيل الشرق الأوسط هو إنتاج نظام أكثر استقراراً وأقل عرضة للحروب، فإن تجاهل القضية الفلسطينية سيجعل هذا الهدف بعيد المنال.
أما إذا جرى إدماجها في صلب أي ترتيبات جديدة، بوصفها أولوية لا عبئاً، فقد يشكل ذلك مدخلاً حقيقياً لمرحلة مختلفة.
في المحصلة، قد تسعى إسرائيل إلى أن تكون “أولاً” في هندسة ما بعد الحرب على إيران، لكن الشرق الأوسط لن يعرف استقراراً دائماً ما لم يكن الشعب الفلسطيني جزءاً أصيلاً من معادلة الحل، لا هامشاً فيها.
فإما شرق أوسط يقوم على العدالة المتوازنة وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وإما شرق أوسط يظل مشتعلاً بانفجارات متتالية، تعيد الجميع إلى نقطة الصفر مهما تغيرت الخرائط والتحالفات.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
5/3/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com