سنرجع إلى الدار … نص بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

رغم الحصار…
رغم الدمار…
ورغم كلّ ما مرّ بنا…
من وجعٍ وانكسار…
سنرجع إلى الدار …
سنرجع…
فالأرض :
تحفظ أسماء أصحابها،
والزيتون :
لا ينسى من سقاه،
والبيوت القديمة :
تبقى تنتظر
خطوات أهلها على العتبات …
قد يطول الطريق…
وقد يثقل الليل بالحزن،
لكن الفجر :
يعرف طريقه دائماً،
والشمس :
لا تبقى أسيرة الغياب…
سنرجع…
نزرع في التراب أملاً جديداً،
ونعيد للحجارة صوت الحياة،
ونفتح النوافذ للشمس …
كي يعود الضوء …
إلى الأزقة القديمة …
سنرجع…
لا لنستعيد جدراناً فقط،
بل لنستعيد الذاكرة،
وأغنيات الجدّات،
وخطوات الطفولة …
في الحارات …
سيأتي العيد…
يوماً ما…
عيداً يشبه صبرنا الطويل،
تضحك فيه الأرض
حين يعود إليها أهلها …
فالحقيقة التي لا تتغير هي:
أن الأرض تعرف أصحابها،
وأن الحق لا يموت،
وأن الدار…
مهما طال البعد…
ستبقى لنا…
وسنرجع إليها يوماً …
بعزيمة لا تنكسر
وإيمان لا يزول …
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
10/3/2026 م

# قراءة أدبية في نص “سنرجع إلى الدار” للدكتور عبد الرحيم جاموس


بقلم د. عادل جوده.العراق..

يعد نص “سنرجع إلى الدار” للشاعر الدكتور عبد الرحيم جاموس تحفة شعرية نثرية تلامس الوجدان، وتعيد تأكيد ثوابت الهوية والانتماء في مواجهة المحن والخطوب. فهو ليس مجرد تعبير عن الحنين إلى المكان، بل هو بيان وجودي يرسخ حقيقة أن الأرض كائن حي يحوي ذاكرة لا تمحى، ووعاء للروح لا ينسى.

من حيث البنية الفنية، يعتمد النص على تكرار جملة “سنرجع” كـ “لازمة” شعرية تشكل عمود القصيدة الفقري، وتوحي بالإصرار والعزيمة التي لا تلين. وهذا التكرار ليس حشوا، بل هو تأكيد إيقاعي يشبه دقات القلب، أو خطوات العائدين التي تدق على أبواب الزمن. كما يوظف الشاعر أسلوب التوازي الدلالي في قوله: “رغم الحصار… رغم الدمار… ورغم كل ما مر بنا”، ليؤسس لجدلية الصمود في مواجهة الدمار، حيث تتحول “الرغمات” إلى سلم يرتقي عليه الامل نحو اليقين بالعودة.

اما على صعيد الصور الشعرية، فقد برع الشاعر في تجسيد الجماد ومنحه روحا انسانية، فالارض “تحفظ اسماء اصحابها”، والزيتون “لا ينسى من سقاه”، والبيوت “تنتظر خطوات اهلها”. هذه الصورة الانطولوجية تؤكد على العلاقة العضوية بين الانسان الفلسطيني وارضه، علاقة تتجاوز الزمان والمكان لتصبح قدرا ابديا. كما ان توظيف عناصر كونية مثل “الفجر” و”الشمس” يحمل دلالات رمزية عميقة؛ فالنور هنا ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو رمز للحق والحرية اللذين لا يحجبان الى الابد، ومهما طال الليل فان الفجر “يعرف طريقه دائما”.

ومن الجوانب المؤثرة في النص تلك اللمسة الانسانية التي تستحضر الذاكرة الجمعية عبر “اغنيات الجدات” و”خطوات الطفولة في الحارات”. فهذه التفاصيل الدقيقة تضفي على النص بعدا عاطفيا جياشا، وتحول فكرة العودة من مجرد مطلب سياسي الى حاجة انسانية فطرية لاستعادة البراءة والاصالة والجذور. ان الشاعر هنا لا يريد استعادة “جدران فقط”، بل يريد احياء روح المكان بذاكرة اهله وتاريخهم.

لغة النص تتسم بالرصانة والعذوبة معا، فهي لغة فصحى نقية لكنها قريبة من القلب، لا تكلف السامع عناء الفهم، بل تنساب في النفس انسياب الماء في الظما. وقد وظف الشاعر الطباق بين “الليل والحزن” و”الفجر والنور”، وبين “الغياب والعودة”، ليعمق التناقض الدرامي الذي يعيشه المنفي، ثم يحله في نهاية النص بانتصار الارادة الانسانية على ظروف القهر.

ختاما، يقدم د. جاموس في هذا النص نموذجا راقيا لادب المقاومة الذي يجمع بين الجمال الفني والعمق الفكري والصدق العاطفي. انه نص يعيد تعريف “العودة” لا كمجرد حركة مكانية، بل كعملية استعادة للذات والكرامة والتاريخ. وفي زمن تحاول فيه قوى الظلم طمس الهويات ومحو الذاكرة، ياتي هذا النص كصرخة هادئة واثقة: “ان الارض تعرف اصحابها، وان الحق لا يموت”. انها رسالة امل تخاطب كل محب للحرية، وتذكر بان الانتصار الحقيقي هو انتصار الروح التي لا تنكسر، والايمان الذي لا يزول، والعزيمة التي تعيد بناء الدار من جديد، حجرا حجرا، وذكرة ذكرة، حتى يعود الضوء الى الازقة القديمة، ويضحك العيد مع عودة الاهل الى اهلهم.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com