إرهاب المستوطنين… سياسة دولة لا انفلات أفراد.. بقلم: د. عبدالرحيم جاموس

لم يعد العنف الذي يمارسه المستوطنون الصهاينة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس مجرد حوادث متفرقة أو انفلاتات فردية يمكن تفسيرها بالتطرف أو الغضب.
ما يجري اليوم هو نمطٌ متكرر ومنهجي من الاعتداءات المنظمة التي تتم تحت حماية مباشرة أو غير مباشرة من سلطات الاحتلال في إسرائيل، الأمر الذي يكشف بوضوح أن هذه الجرائم باتت جزءًا من سياسة قائمة على فرض الوقائع بالقوة وترهيب الفلسطينيين لدفعهم إلى ترك أرضهم.
ففي جريمة جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من الاعتداءات، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في نابلس اليوم عن استشهاد شاب فلسطيني متأثرًا بإصابته برصاص مستوطنين في الصدر في بلدة قصرة.
حادثة أخرى تؤكد أن دم الفلسطيني أصبح هدفًا مباحًا لعصابات الاستيطان، التي تتحرك بثقة لأنها تدرك أن يد العدالة لن تصل إليها في ظل الحماية السياسية والعسكرية التي توفرها لها الحكومة الإسرائيلية.
لقد تحولت المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى قواعد متقدمة لمشروع استعماري إحلالي يسعى إلى السيطرة على الأرض وإقصاء أصحابها الأصليين.
فالمستوطنون لا يكتفون ببناء البؤر الاستيطانية ومصادرة الأراضي، بل يمارسون سياسة يومية من الإرهاب المنظم: إحراق المنازل والمركبات، اقتلاع أشجار الزيتون، الاعتداء على المزارعين، إغلاق الطرق، وإطلاق النار على المدنيين العزل.
وغالبًا ما تقع هذه الاعتداءات أمام أعين جيش الاحتلال أو تحت حمايته المباشرة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لم تعد مجرد سلوك متطرف لجماعات هامشية، بل أصبحت جزءًا من منظومة سياسية وأمنية.
فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تكتفِ بغض الطرف عن هذه الجرائم، بل شجعتها عمليًا عبر توسيع الاستيطان، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وتوفير الحماية العسكرية للمستوطنين.
وهكذا يتحول المستوطن المسلح إلى ذراع غير رسمية لسياسة الدولة، تمارس العنف حيث لا تستطيع الحكومة أن تعلن عنه صراحة.
ومن منظور القانون الدولي، فإن هذا الواقع يمثل انتهاكًا صارخًا للشرعية الدولية.
فالقانون الدولي الإنساني، وعلى رأسه اتفاقية جنيف الرابعة، يحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، كما يحظر الاعتداء على السكان المدنيين أو ممتلكاتهم.
ورغم وضوح هذه القواعد القانونية، تستمر إسرائيل في توسيع مشروعها الاستيطاني في تحدٍ مباشر لقرارات الأمم المتحدة وللمبادئ الأساسية للقانون الدولي.
إن ما يجري اليوم في القرى والبلدات الفلسطينية ليس مجرد نزاع محلي، بل اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي.
فإذا استمرت هذه الجرائم دون مساءلة، فإن ذلك يبعث برسالة خطيرة مفادها أن القوة يمكن أن تحل محل القانون، وأن حياة الفلسطينيين يمكن أن تبقى خارج دائرة الحماية الدولية.
المطلوب اليوم يتجاوز بيانات القلق أو الإدانة اللفظية.
المطلوب خطوات عملية لوقف إرهاب المستوطنين ومحاسبة مرتكبيه.
فالمجتمع الدولي مطالب بالضغط الجاد على الحكومة الإسرائيلية لوقف هذه الاعتداءات، وتفكيك البؤر الاستيطانية غير القانونية، وملاحقة المسؤولين عنها وفق قواعد العدالة الدولية.
كما أن حماية الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة يجب أن تتحول إلى أولوية دولية، عبر آليات رقابة ومساءلة حقيقية تضع حدًا لسياسة الإفلات من العقاب.
فالتجارب أثبتت أن غياب المحاسبة هو ما يشجع استمرار هذه الجرائم وتوسعها.
إن الدم الفلسطيني الذي يسقط برصاص المستوطنين ليس مجرد رقم في نشرات الأخبار، بل شاهد حي على مأساة إنسانية وسياسية مستمرة منذ عقود.
ومع كل شهيد جديد يتجدد السؤال الأخلاقي أمام العالم: إلى متى يبقى القانون الدولي عاجزًا أمام سياسة القوة؟
إن وقف إرهاب المستوطنين، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس ، ليس مطلبًا فلسطينيًا فحسب، بل شرط أساسي لتحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى صوت الضحايا يذكّر العالم بأن العدالة المؤجلة ليست عدالة، وأن الأرض التي رويت بدماء أبنائها لا يمكن أن تتخلى عن حقها في الحياة والحرية والكرامة.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
14 – آذار / مارس 2026 م
( ارهاب المستوطنين)
هذا المقال الهام والمؤثر للدكتور عبدالرحيم جاموس. إنه نص رصين يحلل بدقة وعمق ظاهرة “إرهاب المستوطنين” ويضعها في سياقها الصحيح كسياسة دولة ممنهجة، وليس مجرد أفعال فردية.د

اليكم قراءة تحليلية بقلم: د. عادل جوده. العراق ..
التحليل الذي يقدمه الكاتب يسلط الضوء على نقاط محورية تستحق التوقف عندها:
١ – من الفردية إلى المنهجية: التأكيد على أن هذه الاعتداءات لم تعد عشوائية، بل أصبحت نمطاً متكرراً ومنظماً، مما ينفي عنها صفة “الانفلات الفردي” ويكشف عن طابعها المؤسسي.
٢ – التواطؤ الرسمي والحماية: الكشف عن دور سلطات الاحتلال في توفير الغطاء والحماية للمستوطنين، مما يحولهم إلى “ذراع غير رسمية” لتنفيذ سياسة الدولة في فرض الوقائع وترهيب السكان.
٣- السياق الاستعماري الإحلالي: ربط العنف اليومي بالمشروع الاستيطاني الأوسع، الذي يهدف إلى السيطرة على الأرض وإقصاء أصحابها الأصليين، حيث تصبح المستوطنات “قواعد متقدمة” لهذا المشروع.
٤ – الانتهاك الصارخ للقانون الدولي: تذكير بالاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر نقل المدنيين إلى الأراضي المحتلة والاعتداء على السكان، وبالتالي فإن استمرار هذا الواقع يمثل تحدياً سافراً للشرعية الدولية.
٥- فجوة المساءلة الدولية: الإشارة إلى أن غياب المحاسبة الفعلية من المجتمع الدولي هو ما يشجع على استمرار هذه الجرائم ويبعث برسالة خطيرة بأن “القوة يمكن أن تحل محل القانون”.
٦- المطلوب عملياً: الدعوة إلى تجاوز بيانات الإدانة إلى خطوات عملية، تضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات وتفكيك البؤر الاستيطانية وملاحقة المجرمين، وجعل حماية الشعب الفلسطيني أولوية دولية عبر آليات مساءلة حقيقية.
هذا التحليل الراقي يضع الإصبع على الجرح النازف، ويذكر العالم مراراً وتكراراً بأن قضية فلسطين هي اختبار حقيقي لمصداقية القانون الدولي والضمير الإنساني الجماعي. فكما ختم الكاتب، “العدالة المؤجلة ليست عدالة”، والأرض التي تُروى بدماء أبنائها تبقى حية في الضمير، ولن تتخلى عن حقها في الحياة والحرية.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



