وليد الخالدي… المؤرخ الذي واجه السردية الصهيونية في الغرب.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يشكّل رحيل المؤرخ والمفكر الفلسطيني وليد الخالدي محطة مهمة للتأمل في تجربة فكرية وأكاديمية استثنائية كرّس صاحبها حياته للدفاع عن الحقيقة التاريخية للقضية الفلسطينية في مواجهة السردية الصهيونية، خاصة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الغربية. فقد كان الخالدي واحداً من أبرز المؤرخين الفلسطينيين الذين خاضوا معركة الوعي والرواية التاريخية، في زمن هيمنت فيه الرواية الإسرائيلية على جزء كبير من المؤسسات الإعلامية والفكرية في الغرب.
ينتمي وليد الخالدي إلى عائلة القدس العريقة آل الخالدي، وهي من الأسر الفلسطينية التي لعبت دوراً بارزاً في الحياة الفكرية والقضائية والإدارية في فلسطين عبر قرون. وقد عُرف عن هذه العائلة إسهامها في مجالات الفقه والقانون والتاريخ والأدب، مما جعلها إحدى أبرز العائلات العلمية في التاريخ الثقافي الفلسطيني.
وفي العصر الحديث، واصل عدد من أبناء هذه العائلة هذا التقليد العلمي، ومنهم المؤرخ والأكاديمي طريف الخالدي، غير أن وليد الخالدي تميّز بحضوره الواسع في الأوساط الأكاديمية الدولية، وبإسهامه العميق في توثيق تاريخ فلسطين الحديث، ولا سيما مرحلة النكبة وما أعقبها من تحولات سياسية وجغرافية في المنطقة.
لقد أدرك الخالدي مبكراً أن الصراع مع المشروع الصهيوني لا يقتصر على ميدان السياسة أو المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى ميدان الرواية التاريخية والشرعية القانونية. ومن هنا ركّز مشروعه الفكري على توثيق أحداث نكبة عام 1948، وكشف أبعادها التاريخية والسياسية، وإثبات أن ما جرى لم يكن مجرد نتيجة عفوية للحرب، بل جاء في سياق مشروع سياسي أدى إلى تهجير مئات آلاف الفلسطينيين من أرضهم.
ومن أبرز أعماله في هذا المجال كتابه المرجعي “كي لا ننسى”، الذي وثّق القرى الفلسطينية التي دُمّرت عام 1948، معتمداً على مصادر أرشيفية وشهادات تاريخية دقيقة، ليصبح هذا العمل أحد أهم المراجع التي تناولت النكبة الفلسطينية من منظور علمي موثق.
وفي إطار جهوده لإيصال الرواية الفلسطينية إلى دوائر صنع القرار في الغرب، نشر الخالدي عدداً من الدراسات المهمة في مجلة مجلة فورين أفيرز، وهي من أبرز المجلات الفكرية التي يتابعها صناع القرار والنخب السياسية في الولايات المتحدة. وقد طرح في إحدى مقالاته منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، في وقت كانت فيه هذه الفكرة تبدو بعيدة عن التداول في النقاش السياسي الغربي.
كما خاض الخالدي مواجهة فكرية مع الخطاب الصهيوني في الإعلام الأمريكي، في ظل نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل مثل اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (أيباك)، التي سعت لسنوات طويلة إلى الحد من ظهور الأصوات الفلسطينية في الإعلام الأمريكي.
ورغم ذلك، استطاع الخالدي أن يظهر في البرنامج التلفزيوني الشهير الذي كان يقدمه الصحفي الأمريكي تيد كوبل، حيث قدّم أمام الجمهور الأمريكي تفكيكاً علمياً للحجج التي تستند إليها الرواية الصهيونية في ادعاء الحق في فلسطين.
وفي قراءته الفكرية للصهيونية، تناول الخالدي الأسس التي تقوم عليها هذه السردية، مشيراً إلى أنها تستند إلى أربعة مرتكزات رئيسية: الحجة الدينية القائمة على فكرة الوعد الإلهي، والحجة القانونية المرتبطة بـ وعد بلفور وما ترتب عليه من ترتيبات دولية في مرحلة الانتداب، إضافة إلى حجة الضرورة أو الحاجة التاريخية، وأخيراً حجة الارتباط التاريخي بالأرض.
وقد أخضع الخالدي هذه المرتكزات لتحليل علمي دقيق، مبيّناً أن الكثير من هذه الادعاءات لا يصمد أمام الفحص التاريخي والقانوني، وأنها تجاهلت وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية والسياسية في أرضه.
وفي أحد حواراته الإعلامية في الولايات المتحدة، حاول أحد المحاورين اختزال الصراع في معادلة القوة، بالقول إن التاريخ يثبت أن القوة هي التي تصنع الحق. غير أن الخالدي رفض هذا المنطق، مؤكداً أن القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع قوى، بل قضية عدالة تاريخية وحقوق إنسانية لا يمكن تجاوزها.
لقد كان فكر وليد الخالدي يقوم على قناعة راسخة بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على التفوق العسكري وحده، بل على الاعتراف المتبادل بالحقوق والكرامة الإنسانية. ومن هنا دعا إلى ما أسماه “تناظر الكرامة” بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، باعتبار أن أي تسوية سياسية لا يمكن أن تستقر دون اعتراف حقيقي بحقوق الشعب الفلسطيني.
إن قراءة تجربة وليد الخالدي اليوم تكشف أنه لم يكن مجرد مؤرخ يوثق الأحداث، بل مفكراً استراتيجياً أدرك أن معركة الفلسطينيين في الساحة الدولية هي أيضاً معركة الرواية والشرعية القانونية. ولذلك فإن إرثه الفكري يبقى أحد أهم المراجع في فهم تاريخ القضية الفلسطينية، وفي الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية.
وفي زمن تتجدد فيه محاولات إعادة كتابة التاريخ وتبرير الاحتلال، تظل تجربة وليد الخالدي مثالاً على دور المثقف في الدفاع عن الحقيقة التاريخية، وعلى أهمية المعرفة في مواجهة السرديات التي تحاول طمس الحقوق وتزييف الوقائع.



