في يوم القدس العالمي… القدس تحتاج إلى أفعال لا خطابات

بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تأتي الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، التي يحيي فيها المسلمون في أنحاء العالم يوم القدس العالمي، في لحظة سياسية وقانونية بالغة الحساسية بالنسبة لمدينة القدس وقضيتها. فالتطورات الأخيرة المتمثلة في إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسجد الأقصى ومنع صلاة الجمعة فيه لعدة أيام متتالية خلال شهر رمضان لعام 2026، بذريعة “حالة الطوارئ” والظروف الأمنية المرتبطة بالحرب الدائرة مع إيران، تطرح أسئلة عميقة حول مستقبل الوضع القانوني والتاريخي للمقدسات الإسلامية في المدينة المحتلة.
هذه الإجراءات تأتي في توقيت بالغ الدلالة، إذ تتزامن مع العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي الأيام التي يفد فيها عشرات الآلاف من المسلمين إلى المسجد الأقصى لإحياء الشعائر الدينية والاعتكاف في رحابه. ومن هنا، فإن إغلاق المسجد في هذه المرحلة يمثل تطوراً غير مسبوق من حيث توقيته ودلالاته، ويثير مخاوف جدية من تداعيات تمس بحرية العبادة والوضع التاريخي القائم في الحرم القدسي الشريف.
من الناحية القانونية، تُعد القدس الشرقية جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وهو توصيف أكدت عليه قرارات عديدة صادرة عن الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة. وبموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، وبخاصة اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949، فإن الدولة القائمة بالاحتلال تتحمل مسؤولية حماية السكان المدنيين وضمان احترام أماكن العبادة وعدم المساس بها.
كما تنص المادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة على ضرورة احترام المعتقدات الدينية للسكان الواقعين تحت الاحتلال، فيما تحظر المادة (56) المساس بالمؤسسات الدينية أو تعطيل دورها. ويضاف إلى ذلك ما نصت عليه اليونسكو في قراراتها المتعلقة بالحفاظ على الطابع التاريخي والديني للمدينة المقدسة، والتي تؤكد على ضرورة احترام الوضع القائم في المسجد الأقصى والحفاظ على هويته الدينية والتاريخية.
وعليه، فإن أي إجراءات تحد من وصول المصلين إلى المسجد الأقصى أو تغلقه أمامهم تثير إشكاليات قانونية تتصل بمدى التزام القوة القائمة بالاحتلال بواجباتها بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وخاصة ما يتعلق بحرية الدين والمعتقد التي نصت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948.
لا يمكن قراءة ما يجري في القدس بمعزل عن السياق السياسي الأوسع الذي تشهده المنطقة. فالتوترات الإقليمية المتصاعدة، والحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، توفر للحكومة الإسرائيلية مبررات إضافية لفرض إجراءات استثنائية تحت عنوان “الطوارئ الأمنية”.
غير أن هذه الإجراءات، في حال استمرارها، قد تفتح الباب أمام تغييرات تدريجية في الواقع القائم داخل المسجد الأقصى ومحيطه، خاصة في ظل تصاعد نشاط جماعات استيطانية متطرفة تدعو إلى تغيير الوضع التاريخي للحرم القدسي الشريف.
وفي المقابل، تبقى القدس محوراً مركزياً في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ليس فقط باعتبارها قضية سيادة سياسية، بل أيضاً بوصفها رمزاً دينياً وتاريخياً ذا مكانة خاصة لدى المسلمين والمسيحيين على حد سواء.
دور الوصاية الهاشمية والبعد الإقليمي
في هذا السياق، يبرز الدور الذي تضطلع به دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس تحت مظلة الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس التي تتولاها الأردن، وهو دور معترف به تاريخياً وسياسياً في إدارة شؤون المسجد الأقصى والحفاظ على هويته الإسلامية.
وقد شكلت هذه الوصاية أحد العناصر الأساسية في حماية الوضع التاريخي القائم في الحرم القدسي الشريف، كما أنها تمثل إطاراً مهماً في الجهود الدبلوماسية والقانونية الرامية إلى الحفاظ على الطابع الديني والتاريخي للمدينة المقدسة.
ان إحياء يوم القدس العالمي يكتسب هذا العام دلالات خاصة في ظل التطورات المتسارعة في المدينة المقدسة. غير أن أهمية هذا اليوم لا تكمن في رمزيته فقط، بل في قدرته على إعادة تسليط الضوء على قضية القدس باعتبارها قضية سياسية وقانونية وإنسانية تتطلب تحركاً عملياً يتجاوز الخطاب العاطفي والشعارات.
فالدفاع عن القدس يتطلب، قبل كل شيء، تعزيز صمود سكانها، ودعم المؤسسات الدينية والاجتماعية فيها ودعم المؤسسات للحفاظ على طابعها الفلسطيني والعربي الاسلامي ، وتفعيل الأدوات القانونية والدبلوماسية على المستوى الدولي لضمان احترام القواعد التي تحكم الأقاليم المحتلة وحماية حرية العبادة.
إن قضية القدس لم تعد شأناً فلسطينياً أو عربياً فحسب، بل هي أيضاً قضية ذات بعد دولي، بالنظر إلى مكانتها الدينية والتاريخية، وما تمثله من رمز للتعايش الديني والحضاري.
ومن هنا، فإن الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني في المسجد الأقصى، وضمان حرية العبادة فيه، يمثلان اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بالمبادئ التي أقرها في مواثيقه واتفاقياته.
وفي يوم القدس العالمي، يبقى السؤال مطروحاً أمام المجتمع الدولي والعالمين العربي والإسلامي على حد سواء: هل تبقى القدس عنواناً للخطب والبيانات، أم تتحول إلى قضية تحظى بتحرك سياسي وقانوني جاد يحمي مقدساتها ويصون حقوق أهلها؟
فالقدس، بتاريخها ومكانتها، ليست مجرد مدينة في صراع سياسي، بل هي جزء من الذاكرة الدينية والإنسانية المشتركة، وحمايتها مسؤولية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.



