نبض الحياة.. إشكالية رفع الحظر.. عمر حلمي الغول

تقرير دولة او دول ساعة الصفر في شن حرب على دولة أخرى، او تحالف معادي، لا يعني بالضرورة أن هذا الطرف قادر على التقرير في ساعة انتهائها. لأن تطورات الحرب السياسية والعسكرية الأمنية والاقتصادية والاجتماعية بين الأطراف المتصارعة، وارتداداتها على الإقليم والساحة الدولية تؤثر تأثيرا قويا على سيرورة الحرب سلبا أو إيجابا لأحد الأطراف. كما أن دخول مطلق حرب دون تقدير دقيق لقدرات الدولة او التحالف المستهدف، وغياب وضوح الأهداف السياسية والعسكرية، وانتفاء التكامل والتوازن بين مواقف القيادات السياسية المعلنة، وما يدور في الغرف المغلقة، يترك بصمات وندوب سوداء على الرأي العام الداخلي للدول المشعلة لشرارة الحرب. مع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية على النظام الإيراني الأسبوع الثالث، يتضح أن سيرورة الحرب قد تستغرق وقتا طويلا، وأكثر مما افترضته الرزنامة الزمنية التي حددها الاميركيون والإسرائيليون، الذين قدروا أن هجوم “قطع الرؤوس” صباح يوم السبت 28 شباط / فبراير الماضي، سيدفع القيادة الإيرانية الى الاستسلام الكامل، أو تقديم تنازلات استراتيجية تتعلق بتغيير بنية النظام السياسي، ولكن لا هذا ولا ذاك حدث، وتمكن النظام من تضميد جراحه بسرعة، وكان مستعدا لسيناريو الضربة الأولى، وذلك بتحديد قيادات بديلة ليست محصورة بالصف الأول والثاني، وانما للصف الثالث والرابع وقد يكون أكثر مما ورد انفا، ووفقا للتراتبية السياسية والعسكرية الأمنية. وبالتالي التصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن “هزيمة النظام الفارسي”، وتمكن سلاحي الجو الأميركي والإسرائيلي بالقضاء على الصواريخ البالستية ومصانعها ومنصات اطلاقها ومخازنها، وحتى الادعاء بتدمير بعض المفاعلات النووية الإيرانية، كما ذكرت القيادة الإسرائيلية، لا أساس لها من الصحة، لأن الوقائع تشير بالعين المجردة عكس تلك التصريحات. مما أحدث فوضى وارباك في الساحتين الأميركية والإسرائيلية، وتراجع ثقة الشارعين بقيادات الإدارة الأميركية والإسرائيلية. ونجم عن غياب التقدير الواقعي لقدرة وحجم وأهداف ومجالات الرد الإيراني على حرب ترمب ونتنياهو، ارتفاع منسوب التناقض بين القيادتين، وارتداد سلبي في أوساط الشارعين، وبين صفوف كل قيادة، فضلا عن، اتساع رقعة التوتر بين القيادة الأميركية وحلفائها من الدول العربية والأوروبية، لأنها لم تتمكن أولا من حماية قواعدها الموجودة على أراضي الدول؛ ولم تؤمن الحماية لمصالح الدول ذاتها؛ ثالثا نتاج الخسائر الفادحة التي لحقت بها، لأن إدارة الرئيس ال 47 لم تعتقد أن نظام الملالي يمكنه اغلاق مضيق هرمز، الذي يعتبر شريانا أساسيا لخمس الطاقة العالمية، وانعكس سلبا على الجانبين الدول المصدرة والمستوردة، مثلا تقدر شركة كبلر المتخصصة في تحليل السلع الأساسية، أن خسائر دول الخليج العربي خلال الأيام الماضية تقدر بنحو 15,1 مليار دولار اميركي، نجمت عن اغلاق المضيق فقط، ولم نتحدث عن الجوانب السياحية والاقتصادية وخسائر مجال العقار والاعمار، رغم أن التركيز في وسائل الاعلام العربية مسلط على العدوان الإيراني على أراضيها لاعتباراتها الخاصة وعلاقاتها التحالفية مع الولايات المتحدة. ونتاج ازمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط عالميا، أعلنت واشنطن عن تفويض مؤقت عبر وزير الخزانة سكوت بيسنت يسمح للدول بشراء النفط الروسي لمدة 30 يوما، موضحا أن الهدف هو “الحفاظ على انخفاض الأسعار.” وأكد بيسنت أن هذا الاجراء محدد المدى ويقتصر على النفط الموجود بالفعل في سفن الشحن الروسية، وادعى أن ذلك لا يوفر فائدة مالية كبيرة للحكومة الروسية. ومن جانبه حاول الرئيس ترمب التخفيف من المخاوف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن الولايات المتحدة “أكبر منتج للنفط في العالم”، وأن الهدف الأهم هو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، في التفاف واضح على حلفائه الأوروبيين، الذين احتجوا على رفع الحظر عن النفط الروسي ولو مؤقتا، وما لم يقله الرئيس الأميركي هو اقتراب الانتخابات النصفية، التي تشكل تحديا له شخصيا ولممثلي حزبه في تشرين ثاني / نوفمبر القادم، وفي حال ارتفعت أسعار كالون البنزين الى مستويات عالية، فانه يؤثر على الجوانب الاقتصادية المختلفة في الولايات المتحدة، مما ينعكس سلبا على شعبيته وعلى مكانة الحزب وخاصة بين اعضاء المجلسين الشيوخ والنواب. ولم يبق امامه سوى أسبوعين للحيلولة دون تحول ارتفاع أسعار البنزين الى “صفيح أميركي ساخن”، لهذا هدد وتوعد الرئيس طهران بعظائم الأمور، الا ان تهديداته حتى الان لم تأت بنتائج إيجابية، بل العكس صحيح.
وكان لرفع الحظر عن النفط الروسي ردود فعل من قبل قادة الدول الاوروبية، حيث وجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس يوم الجمعة 13 /3 /2026 انتقادا حادا للحكومة الأميركية على قرارها برفع العقوبات مؤقتا عن بيع النفط الروسي، مؤكد أن القرار “خاطئ”، ويجب الاستمرار في الضغط على روسيا؛ وعبر الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون عن معارضته رفع العقوبات، خلال اتصال مع قادة مجموعة السبع، مؤكدا أن شلل مضيق هرمز “لا يبرر بأي حال رفع العقوبات عن روسيا.”. ولم يفت الامر الرئيس الاوكراني فولاديمير زيلنسكي، الذي قال: ان تخفيف العقوبات من جانب الولايات المتحدة وحده يوفر لروسيا نحو 10 مليارات دولار لتمويل الحرب، مؤكدا أن ذلك “لا يساعد بالتأكيد في تحقيق السلام”. لكن موسكو أعلنت الجمعة الماضي، أن رفع العقوبات أصبح “امرا لا مفر منه”، وقال المبعوث الاقتصادي الروسي كيريل ديمترييف عبر تلغرام: “واشنطن تعترف فعليا بالواقع بدون نفط روسي، لا يمكن للسوق العالمي للطاقة أن يبقى مستقرا.” بالنتيجة الرئيس ترمب لم يعر أهمية كبرى لردود الفعل الأوروبية. لأن مصالحه الشخصية أولا ومصالح حزبه ثانيا لها الأولوية على ما عداها، وإن كان مع وزير خزانته حاولا التقليل من شأن رفع الحظر المؤقت عن النفط الروسي، الذي لا اعتقد انه سيعود ثانية، مما سيفاقم من حدة التناقضات بين الادارة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي، ويضيف بعدا جديدا للتناقضات القائمة، والتي أخذت تتوسع وتتعمق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com