العالم يتدرّب على السقوط… ويتقن الوقوف.. نص بقلم: د.عبدالرحيم جاموس

ليست نهايةُ العالم
وشيكةً…
هكذا تُطمئننا السماء
كلَّ صباح…
لكنَّ الأرض
تبدو مُتعبة
من كثرةِ التدريبات،
ومن هذا المشهد
الذي يُعاد
مرّةً بعد مرّة…
كلُّ يوم
نرتّبُ الكراسي
في مسرحِ الخوف،
نرفعُ ستارةَ القلق،
ثمّ نجلسُ صامتين
ننتظرُ بدايةَ العرض…
صفّاراتُ إنذار،
حروبٌ صغيرة
تتدرّب
لتصبحَ كبيرة،
ومدنٌ تتعلّم
كيف تنام
على ضوءِ الحرائق…
كأنّ العالم
ممثلٌ مرتبك،
يحفظُ سطورَ النهاية
عن ظهرِ قلب،
لكنّه
لا يملكُ الشجاعة
ليقولها…
فنصفّقُ…
لا لأنّ العرضَ جميل،
بل لأنّنا
ما زلنا أحياء …
بعد فصلٍ آخر
من فصولِ البروفة…
ومع ذلك…
في مكانٍ ما
تزرعُ أمٌّ
شجرةَ زيتون،
ويكتبُ طفلٌ
اسمَه
على دفاترِ الغد…
كأنّ الحياة
تهمسُ لنا:
لا تخافوا كثيراً…
فالعالم
يتدرّبُ على السقوط
منذ قرون،
لكنّه
ما زال
يتقن
الوقوف …!
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
15/3/2026 م

هذا النص للدكتور عبدالرحيم جاموس يحمل بصمة أدبية عالية، ويستحق حقاً هذه القراءة المتأنية.

هو قصيدة نثر عميقة، أو تأمل فلسفي يمس جوهر الوجود الإنساني في زمن الاضطراب.

إليك قراءة تحليلية موسعة لهذا النص الراقي:

قراءة في النص:
بين هاجس النهاية وإرادة الحياة


بقلم: د. عادل جوده.العراق..

يقدم لنا الدكتور جاموس في هذا النص لوحة كونية مؤثرة، يرسم فيها صورة للإنسان المعاصر الذي يعيش في حالة من الترقب الدائم والخوف المزمن، لكنه في الوقت ذاته يمسك بخيط الأمل الرقيق الذي لا ينقطع. العنوان بحد ذاته “العالم يتدرّب على السقوط.. ويتقن الوقوف” هو جوهر الرسالة، تناقض جميل يختزل الصراع الأبدي بين الفناء والبقاء.

أولاً: تشخيص الحالة الإنسانية (البروفة الكونية):

يبدأ النص بنفي مباشر لهاجس النهاية (“ليست نهايةُ العالم وشيكةً…”)، ولكن هذا النفي يأتي من “السماء”، مما يضفي عليه صفة الوعد المقدس أو الطمأنينة الغيبية. لكن سرعان ما يعود الشك ليسكن الأرض، التي توصف بأنها “مُتعبة” من كثرة “التدريبات”.
هنا يبرع الكاتب في استخدام الاستعارات المسرحية ليصف واقعنا:

·- “مسرح الخوف” و”ستارة القلق”: الحياة أصبحت مسرحية مؤجلة، نحن فيها ممثلون ومتفرجون في آن. نرتّب كراسينا بصبر مرير، ننتظر “بداية العرض” الذي نعرف أنه كارثي، لكننا عاجزون عن منعه.
·- “صفّارات إنذار” و”حروبٌ صغيرة تتدرّب لتصبح كبيرة”: هذا هو جوهر المشهد. الأحداث الجسام لم تقع بعد، لكن تمهيداتها ومقدماتها (التدريبات) تستنزفنا يومياً. المدن تتعلم “النوم على ضوء الحرائق”، وهي صورة صادمة ومألوفة في آن، تعكس كيف تأقلمنا مع الكارثة كجزء من الروتين.
·- “ممثلٌ مرتبك”: تجسيد رائع لحالة العالم.
هو يعرف النص (“سطور النهاية عن ظهر قلب”)، أي يعلم بمآلاته المدمرة، لكنه يفتقر إلى “الشجاعة” لمواجهة الحقيقة أو تغيير المسار.

ثانياً: لحظة التنفيس (التصفيق للحياة):

في مشهد مسرحي مأساوي، يأتي التصفيق.
لكن الكاتب يوضح:
“لا لأنّ العرضَ جميل، بل لأنّنا ما زلنا أحياء”. هذا هو عمق الإنسانية. التصفيق هنا ليس تأييداً، بل هو تعبير عن البقاء، عن استمرار النبض رغم كل شىء. إنها لحظة امتنان جماعي لا شعوري على تجاوز “فصل آخر من فصول البروفة”.

ثالثاً: شريان الأمل (همس الحياة):

وهنا يكمن سر جمال النص وقوته. بعد كل هذا السواد والقلق، ينتقل بنا الكاتب إلى “مكانٍ ما”.
هذا المكان هو الهامش الذي ينتصر فيه الإنسان على اليأس:

·- “أمٌّ تزرع شجرةَ زيتون”: الزيتون رمز الأرض والسلام والصمود والتجذر. زراعته في خضم هذه الأجواء هي فعل مقاومة وجودي بامتياز.
·- “طفلٌ يكتب اسمَه على دفاترِ الغد”: الكتابة فعل خلود، والطفل هو المستقبل. هو يؤكد وجوده وهو يخطط ليوم قادم، في تحدٍ صريح لكل نبوءات النهاية.
·- “تهمسُ لنا”: الحياة لا تصرخ في وجه الخراب، بل تهمس. همسها أقوى وأبقى. تذكرنا بأن ما نعيشه من خوف ليس جديداً، فـ “العالم يتدرّب على السقوط منذ قرون”. هذا التكرار يمنحنا منظوراً تاريخياً يخفف من وطأة اللحظة الراهنة.

الخلاصة:
نصوص قليلة هي القادرة على مزج الهشاشة بالقوة بهذا الشكل المدهش.
“العالم يتدرّب على السقوط.. ويتقن الوقوف” هو تأمل أدبي عميق في ازدواجية الوجود:
نحن نعيش في زمن الخوف والتدريب على النهايات، ولكن جوهر الحياة الحقيقي يكمن في الأفعال اليومية الصغيرة (الزراعة، الكتابة، التصفيق للبقاء) التي تجعلنا نتقن الوقوف بوجه تحديات العصر..
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com