المطران عطا الله حنا:النفط والثروات الطبيعية ليست أغلى من الدماء البشرية فكلُّ قطرة دمٍ تسيل تعني بالنسبة إلينا الشيء الكثير.

تُنفق الملايين لا بل المليارات الدولارات على الحروب في هذا العالم، ونحن في هذا الأرض المقدسة و في هذا المشرق وفي  تعرّضنا لحروب كثيرة و منذ عشرات السنين الماضية.

اليوم نحن نعيش حرباً نتمنى أن تنتهي قريباً حقناً للدماء ووقفاً للدمار.
لماذا تُنفق الأموال على هذه الحروب؟ ولماذا تُدفع المليارات من أجل التسليح ومن أجل الصواريخ ومن أجل آلة الموت والدمار؟

إن الحروب إنما هي شرٌّ مطلق، ولا توجد هنالك حروب جيدة وحروب غير جيدة، كما ولا توجد حرب مقدسة، فالحرب دائماً هي شر مطلق يخلّف الخراب والدمار والدماء في كل مكان.

أهلنا في غزة عاشوا الحروب ودفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وحياتهم وأرزاقهم بسبب حروب فُرضت عليهم وتندرج في إطار التآمر على شعبنا.
أمّا الحرب الراهنة فهدفها هو الإمعان في حرف البوصلة وتشتيت هذا المشرق وتفكيكه والنيل من تاريخه وهويته وأصالته، من خلال التآمر على الأمة وعلى هوية و تاريخ و تراث هذا المشرق.

إن الهدف الأساسي من هذه الحرب  هو تصفية القضية الفلسطينية وشطب وجود فلسطين من على الخارطة، و هذا لن يحدث على الإطلاق.

نحزن أمام هذا الكم الهائل من الدمار والآلام والدموع والأحزان والنزوح. نحزن أمام مشاهد الموت و التي  بالنسبة الينا ليست  خبراً عاجلاً، فكل قطرة دم تسيل تعني بالنسبة الينا  الشيء الكثير.

من هو المستفيد من هذه الحروب العبثية التدميرية الشريرة؟ إن المستفيد الحقيقي إنما هم تجّار الحروب والدول المصنّعة للأسلحة، لأن وقف الحروب يعني أن هذه المصانع يجب أن تُغلق، وفي ذلك خسائر فادحة للدول المصدّرة لهذه الأسلحة. إنهم يصدّرون أسلحتهم وعتادهم العسكري، ومن يدفع الثمن إنما هي شعوبنا في هذا المشرق وأقطارنا في هذه المنطقة، لاسيما فلسطين وشعبها المظلوم.

مليارات الدولارات تُصرف على الحروب والأسلحة، وكان من الأفضل أن تُصرف من أجل بناء المدارس والمستشفيات.

وأنا لا أذيع سراً إذا ما قلت إنه لو توقفت الحروب والمتاجرة بأرواح الأبرياء، ولو توقف صرف الأموال الباهظة على التسليح، لما بقي إنسان فقير محتاج في منطقتنا وفي أرضنا المقدسة.

هنالك من يظنون أن النفط هو أغلى ما يملكونه، وفي سبيل الأجندات والمشاريع الاستعمارية لا تهمّهم الدماء البريئة التي تُسفك وتُهدر.

متى سيتغير هذا العالم لكي يكون أكثر عدلاً وإنسانية؟ ومتى سيتوقف استيراد الأسلحة لمنطقتنا ودفع المبالغ الباهظة في سبيلها، في الوقت الذي كان فيه من الأفضل أن تُستعمل هذه الأموال من أجل البناء والرقي ومعالجة آفة الفقر والجوع والنهوض بمجتمعاتنا؟ لا النفط ولا الغاز ولا المعادن الثمينة و لا أي ثروات طبيعية أخرى هي أغلى من الدم البشري.

نصلّي من أجل هذا العالم وحكّامه الذين يفكرون بالمصالح الاقتصادية والمنافع الاستعمارية دون الأخذ بعين الاعتبار بأن هنالك بشراً يستحقون الحياة، وأن هنالك شعباً مظلوماً في فلسطين يستحق أن يعيش بأمن وأمان وسلام.

اليوم اعتُدي على عائلة في بلدة طمون في الضفة الغربية و قد أدى هذا الاعتداء المأساوي الى استشهاد عدد من افراد هذه العائلة  وما أكثر الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون، والتي يجب أن تحظى بالاهتمام اللائق والمناسب.

نعيش حالة حرب نتمنى أن تتوقف، ولكن شعبنا الفلسطيني أيضاً يتعرض للمظالم في كافة تفاصيل حياته. ما نريده هو السلام لأرض السلام، وسلامنا هو سلام الحق والعدالة ورفع الظلم عن شعبنا ووقف نزيف هذا الشعب المظلوم.

سلامنا هو السلام الذي نتمنى من خلاله أن تعيش شعوب منطقتنا وأقطارنا كافة بسلام وأمن وأمان، بعيداً عن الحروب وآلة الموت والدمار.

اليوم، وفي منتصف الصوم، نصلي بحرارة من أجل ضحايا الحروب ومن أجل كل إنسان متألم ومظلوم، ولكننا نصلي بنوع خاص من أجل حكّام وجبابرة هذا العالم الذين فقدوا إنسانيتهم ويفكرون فقط في المصالح والمنافع الاقتصادية وغيرها، دون الأخذ بعين الاعتبار ان هنالك انساننا يستحق ان يحيى بسلام و طمأنينة.

يا رب أعطِ حكمةً لرؤساء وحكّام هذا العالم لكي يتخلوا عن النزعة الوحشية وعن الجنوح نحو الحروب، ولكي يعملوا من أجل كرامة الإنسان ولكي  يعيش بحرية وسلام.

المطران عطا الله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 15 آذار 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com