بين الإضراب وتسريب الطلبة، من يحمي مدارس الأونروا؟.. نضال احمد جابر جودة

تشكل العملية التعليمية في مدارس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمع ومستقبل أجياله. فهذه المدارس لم تكن يوماً مجرد مؤسسات تعليمية تقليدية، بل مساحة تحفظ للطلبة انتظامهم الدراسي في بيئة تعاني أصلاً من اضطرابات سياسية واقتصادية متلاحقة. لذلك فإن أي خلل يطال انتظام الدراسة لا ينعكس فقط على جدول الحصص أو سير الامتحانات، بل يفتح الباب أمام ظاهرة أخطر تتمثل في تسريب الطلبة خارج المنظومة التعليمية المنظمة.
وفي لحظات الفراغ التعليمي هذه، تبدأ بدائل أخرى بالظهور، بعضها يأخذ شكل منصات تعليمية أو برامج تعليمية مؤقتة مدعومة من جهات دولية مثل United Nations Children’s Fund. ورغم أن هذه المبادرات قد تبدو للوهلة الأولى استجابة إنسانية لسد فجوة تعليمية طارئة، إلا أن توسعها على حساب المدارس النظامية قد يخلق واقعاً تعليمياً موازياً يستقطب الطلبة بعيداً عن مدارس الأونروا، ويضعف تدريجياً حضورها المؤسسي ودورها في المجتمع.
في هذا السياق، يصبح الحفاظ على انتظام العملية التعليمية ليس مجرد واجب إداري، بل مسؤولية جماعية تقع أيضاً على عاتق اتحاد الموظفين. فالنقابة التي تسعى للدفاع عن حقوق أعضائها مطالبة في الوقت ذاته بحماية البيئة المهنية التي يعملون فيها. إن قوة المعلم والموظف داخل المؤسسة لا تنبع من الشعارات النقابية وحدها، بل من حضوره الفاعل في قلب العملية التعليمية، ومن ارتباط المجتمع بدوره في الحفاظ على استقرار المدارس وانتظام الدراسة. ولهذا فإن أي تحرك نقابي لا يضع في حساباته حماية المسار التعليمي، ولا يطرح خطط طوارئ وسيناريوهات بديلة تمنع تسرب الطلبة، يبقى تحركاً ناقصاً قد يحمل في داخله بذور إضعاف المؤسسة التي يعمل الموظفون داخلها.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر حساسية: ما جدوى تكرار أدوات التصعيد النقابي إذا كانت التجارب السابقة قد كشفت حدود فاعليتها؟ فقد أظهرت الوقائع أن إدارة الأونروا تتعامل مع الإضرابات وفق لوائحها الإدارية والقانونية، بما في ذلك خصم أيام الإضراب من رواتب الموظفين الذين يلتزمون بقرارات الاتحاد. وهذا يعني أن الموظفين الذين استجابوا لقرارات الاتحاد وجدوا أنفسهم يتحملون الكلفة المباشرة دون أن تتوافر لهم ضمانات نقابية حقيقية تحميهم من تبعات تلك القرارات. وفي ظل هذه المعادلة، يبدو من المشروع التساؤل: هل المطلوب تكرار السيناريو ذاته مرة أخرى، أم التفكير في أدوات أكثر حكمة تحمي الموظف وتحافظ في الوقت ذاته على استقرار العملية التعليمية؟
إن اللحظة الراهنة تفرض إعادة تعريف الدور النقابي بعيداً عن منطق التصعيد المجرد. فالمعركة الحقيقية ليست بين الاتحاد والإدارة فقط، بل بين استمرار المنظومة التعليمية وبين احتمالات تآكلها التدريجي. وإذا تسرب الطلبة من مدارس الأونروا، فإن الخسارة لن تكون تربوية فحسب، بل مؤسسية أيضاً، لأن المؤسسة التي تفقد طلابها تفقد تدريجياً قدرتها على الدفاع عن وجودها وعن موظفيها في الوقت ذاته. لذلك فإن الدفاع الحقيقي عن الموظفين يبدأ أولاً بحماية المدرسة، والحفاظ على انتظام الدراسة، وبناء خطط طوارئ تبقي الطلبة داخل الصفوف لا خارجها. ففي النهاية، لا تُقاس قوة النقابة بحدة خطابها، بل بقدرتها على حماية الإنسان والمؤسسة معاً.
باحث في التنمية المستدامة



