كسرُ الصمت النووي وارتباك القرار.. الشرق الأوسط أمام احتمالات مفتوحة… بقلم / د. عبدالرحيم جاموس

في السياسة الدولية، لا تكمن الخطورة دائمًا في امتلاك القوة، بل في كيفية الحديث عنها.
فبعض الملفات تُدار بالصمت، لا لأن الحقيقة غائبة، بل لأن الإعلان عنها يغيّر قواعد اللعبة.
من هنا، يبدو التصريح الأخير للرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) حول القدرات النووية الإسرائيلية لحظة فارقة في مسار التوتر الإقليمي.
فمجرد الخروج عن سياسة “الغموض النووي”، التي شكّلت لعقود أحد أعمدة التوازن في الشرق الأوسط، لا يُعد تفصيلًا عابرًا، بل تحوّلًا في منطق إدارة الردع ذاته.
وقد زاد من حساسية هذا التحول تأكيده أن إسرائيل “لن تستخدم السلاح النووي ضد إيران”، في محاولة لتقديم تطمين علني لملف لم يكن يُعترف به أصلًا.
غير أن هذه “الطمأنة” تحمل مفارقة عميقة؛ فالاعتراف الضمني، حتى في سياق النفي، لا يهدئ المخاوف بقدر ما يعيد تشكيلها.
إذ ينقل الملف من دائرة الغموض المحسوب إلى فضاء النقاش العلني، بما يفتح الباب أمام قراءات متباينة، وربما متناقضة، لدى مختلف الأطراف.
في هذا السياق، تتداخل التصريحات مع واقع إقليمي شديد الهشاشة.
فقد أكد وزير الدفاع الإسرائيلي (يوآف غالانت) أن بلاده “ستفعل كل ما يلزم لحماية أمنها”، وهي عبارة تعكس سقفًا مفتوحًا من الخيارات. في المقابل، شدد المرشد الأعلى الإيراني السابق (علي خامنئي) على أن إيران “لن تخضع للتهديد”، في موقف يعكس تمسكًا بثوابت يعتبرها جزءًا من سيادتها.
بين هذين الموقفين، تتسع مساحة التوتر، وتزداد حساسية أي خطأ في التقدير.
غير أن الإشكالية لا تتعلق فقط بتصريحات الأطراف، بل بطريقة إدارة هذا التوتر.
فالمقاربة الأمريكية خلال المرحلة الأخيرة بدت متأرجحة بين التصعيد والتهدئة، وبين التهديد بإجراءات قاسية والإيحاء بإمكانية إنهاء الأزمة سريعًا.
وقد نُقل عن دونالد ترامب قوله إن “الحرب قد تنتهي قريبًا”، في وقتٍ استمرت فيه لغة الضغط، ما يعكس غياب إطار استراتيجي متماسك.
هذا التذبذب لم يمر دون انتقادات. فقد وصف دبلوماسيون أمريكيون وأوروبيون أسلوب إدارة الأزمة بأنه “الأغرب” الذي شهدوه، في تعبير غير مألوف داخل الأوساط الدبلوماسية، ويعكس قلقًا حقيقيًا من غياب الاتساق في القرار.
كما حذّر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق John Kerry (جون كيري) من أن “التصعيد غير المحسوب قد يقود إلى مواجهة لا يريدها أحد”، مؤكدًا أهمية المسار الدبلوماسي.
وفي السياق الأوروبي، شدد وزير الخارجية الفرنسي الأسبق Jean-Yves Le Drian (جان إيف لودريان) على أن “التوتر في الخليج قد يتحول بسرعة إلى أزمة خطيرة”، في حين أشار وزير الدفاع الأمريكي الأسبق James Mattis (جيمس ماتيس) إلى أن “سوء التقدير في التعامل مع إيران قد تكون عواقبه كارثية”.
هذه التحذيرات تكشف بوضوح أن الخطر لا يكمن في وجود التوتر بحد ذاته، بل في ضعف القدرة على التحكم به.
فحين تفقد القوة العظمى اتساقها، تتراجع قدرتها على فرض قواعد واضحة للسلوك، ويتحول الردع من عنصر استقرار إلى مصدر غموض.
في هذا الإطار، لا يبدو الشرق الأوسط أمام أزمة عابرة، بل أمام مرحلة تتكاثر فيها الاحتمالات.
احتمال الانزلاق نحو مواجهة أوسع، واحتمال فرض توازنات جديدة تحت الضغط، واحتمال استمرار حالة اللااستقرار كواقع طويل الأمد.
وسط هذه التحولات، تبقى القضية الفلسطينية العامل الأكثر ثباتًا في معادلة متغيرة.
فكلما تصاعدت الأزمات الإقليمية، تراجعت فلسطين في سلم الأولويات الدولية، ما يتيح للاحتلال توسيع نطاق سياساته على الأرض.
غير أن هذا التراجع لا يلغي جوهر القضية، بل يؤجل انفجارها في سياقات أكثر تعقيدًا.
وأي محاولة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي دون معالجة عادلة وشاملة لهذه القضية، تضمن حقوق الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، لن تنتج استقرارًا حقيقيًا، بل ستعيد إنتاج التوتر بأشكال جديدة.
في المحصلة، ما يجري اليوم يعكس تحولًا في طبيعة إدارة القوة:
من الغموض المحسوب إلى التصريح العلني،
ومن الاستراتيجية المتماسكة إلى التذبذب،
ومن الردع المستقر إلى واقع مفتوح على احتمالات متعددة.
ويبقى السؤال مطروحًا بإلحاح:
هل نحن أمام إعادة ترتيب واعية لموازين القوة في المنطقة، أم أمام انزلاق تدريجي ، بفعل قرارات غير منسجمة ، نحو لحظة قد تعيد تعريف الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة؟
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
17/3/2026 م
[ كسر الصمت النووي…] يقدّم هذا النص قراءة عميقة في لحظة سياسية بالغة الحساسية، حيث لا يعود الخطر كامنًا في امتلاك القوة بقدر ما يتجلى في طريقة الإفصاح عنها وإدارتها. ومن هنا، ينجح الكاتب في تفكيك دلالة التصريح المنسوب إلى دونالد ترامب، ليس بوصفه موقفًا عابرًا، بل كإشارة إلى تحوّل بنيوي في قواعد الردع التي حكمت الإقليم لعقود.
يعتمد التحليل على فكرة محورية دقيقة: “الغموض النووي” لم يكن مجرد سياسة، بل كان أداة توازن غير معلنة، تحفظ لكل طرف هامش الحركة دون دفعه إلى حافة المواجهة. وعليه، فإن كسر هذا الغموض – حتى في صيغة نفي أو تطمين – يفتح المجال أمام إعادة تأويل القدرات والنيات، وهو ما قد يفاقم القلق بدل تهدئته. هنا، يبرز التناقض الذي أشار إليه الكاتب بذكاء: الاعتراف الضمني لا يطمئن بقدر ما يحرّض على إعادة الحسابات.
كما ينجح النص في رسم مشهد إقليمي متوتر تتقاطع فيه الخطابات المتشددة مع واقع هش. فتصريحات يوآف غالانت حول “فعل كل ما يلزم” تقابلها لهجة تحدٍّ من علي خامنئي، ما يخلق معادلة مشحونة تقوم على رفع السقوف دون وجود قنوات واضحة لخفض التصعيد. وهذا التوازي بين خطابين متصلبين يعكس حالة “توازن قلق” قابل للاهتزاز عند أي خطأ في التقدير.
ومن أبرز نقاط القوة في المقال تسليطه الضوء على الارتباك في المقاربة الأمريكية. فالتذبذب بين التصعيد والتهدئة، وبين التهديد والتطمين، يُفقد السياسة الخارجية عنصرها الأهم: الاتساق. وهنا، تتعزز حجة الكاتب باستحضار مواقف شخصيات وازنة مثل جون كيري وجيمس ماتيس، اللذين حذّرا من مخاطر الانزلاق غير المحسوب، ما يمنح النص بعدًا توثيقيًا يرفع من مصداقيته ويؤكد أن القلق ليس انطباعًا فرديًا بل تقييمًا تشارك فيه دوائر صنع القرار.
كذلك، يلفت الكاتب الانتباه إلى نقطة غالبًا ما تُهمّش في خضم الأزمات: مركزية القضية الفلسطينية. فالنص لا يكتفي بوصف التوترات، بل يعيد ربطها بجذرها العميق، مؤكدًا أن أي إعادة تشكيل للنظام الإقليمي دون معالجة عادلة لهذه القضية لن تؤدي إلا إلى استقرار مؤقت وهش. هذه الرؤية تضيف بعدًا استراتيجيًا يتجاوز اللحظة الراهنة نحو فهم أعمق لبنية الصراع في المنطقة.
أسلوبيًا، يتسم النص بلغة رصينة تجمع بين التحليل السياسي واللمسة الأدبية، حيث تتكرر الثنائيات الدلالية مثل: “الغموض/التصريح”، “الاستقرار/الاحتمال”، “الاتساق/التذبذب”، لتشكّل إطارًا فكريًا متماسكًا يقود القارئ بسلاسة نحو الخلاصة. كما أن البناء التصاعدي للفكرة – من حدث محدد إلى سياق إقليمي ثم إلى أفق استراتيجي مفتوح – يعكس قدرة واضحة على التحكم في مسار الحجة.
في المحصلة، يقدّم النص قراءة ناضجة لمرحلة انتقالية في توازنات الشرق الأوسط، حيث لم يعد الردع عامل استقرار مضمون، بل أصبح بدوره عنصرًا مولّدًا للغموض. والسؤال الذي يطرحه الكاتب في الختام ليس بلاغيًا بقدر ما هو تحذيري: هل ما نشهده إعادة ترتيب محسوبة، أم انزلاق غير مقصود نحو واقع جديد؟ إنه سؤال مفتوح، لكن خطورته تكمن في أن الإجابة قد تتشكل على وقع الأحداث لا على ضوء التخطيط.

قراءة تحليلية: بقلم د. عادل جوده.العراق.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



