في قلبِ الجدار… نصٌ بقلم :د. عبدالرحيم جاموس

في قلبِ الجدار…
تنبضُ نافذةٌ خفيّة،
تتدرّبُ على الضوء
كلما طالَ الطريقُ المسدود …
نمشي،
وأقدامُنا تحفظُ …
ما نسيته الخرائط،
تحملُ أسماءَ القرى
كأنها نبضٌ لا يغيب…
في كلِّ خطوةٍ
ينكسرُ قيد،
ويكبرُ وطن …
نحنُ لا نُهزمُ
حين تُغلَقُ الدروب،
بل نُعيدُ ..
اختراعَ الطريق،
نفتحُ في الجدارِ نافذة،
وفي العتمةِ فجرًا …
نزرعُ خطانا في الحجر،
فتنبتُ زيتونًا،
ونكتبُ أسماءَنا في الندى،
فتصحو الأرضُ علينا …
سنعود …
لا لأن الطريقَ صار سهلًا،
بل لأننا صرنا الطريق …
وفي قلبِ كلِّ جدار،
ثمة نافذةٌ
تتعلّم:
أن تنبضَ باسم فلسطين …
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
21/3/2926

طابت أوقاتكم 🌹
قراءة أدبية في نص “في قلبِ الجدار”


بقلم: د. عادل جوده.. من العراق..

نصٌّ مكثفٌ بأقلّ الكلمات، وأعمقُه بالدلالات. يكتب الدكتور عبد الرحيم جاموس قصيدةَ نثرٍ أو ومضةً أدبيةً تتوسّطُ بين الشعر والفكرة، لتقدّم رؤيةً فلسطينيةً في آنٍ معاصرٍ وأسطوري.

يُشكّل الجدار هنا المفارقةَ المركزية: فهو في الظاهر حاجزٌ ماديّ، لكنّ النصّ يقلبه إلى كائنٍ حيٍّ “ينبضُ” في داخله بـ”نافذةٍ خفيّة”. النافذةُ ليست للهروب، بل “تتدرّبُ على الضوء”، أي أنها تصنع الأمل من عتمة الانغلاق. بهذا، ينتقل النصّ من لغة الحصار إلى لغة المقاومة الوجودية.

يتكرّر فعلُ الحفظ والذاكرة (“أقدامُنا تحفظُ… أسماءَ القرى”) مقابل نسيان الخرائط الرسمية أو الاحتلالية.
الجسد هنا (الأقدام) يصبح وعاءً للجغرافيا، ونبضًا لا يغيب، كأنّ الهوية ليست مسألة وثائق، بل عضويةً في الدم.

اللافت هو تحويل الهزيمة إلى إبداع:

“نحنُ لا نُهزمُ حين تُغلَقُ الدروب، بل نُعيدُ اختراعَ الطريق”.
فالانغلاق ليس نهاية، بل بداية لخلق مسارات جديدة، وهذا جوهر الصمود الفلسطيني: القدرة على تحويل القيد إلى أداة لانفجار أوسع.

يُجسّد النصّ جدلَ الصلابة واللين:

-· “نزرعُ خطانا في الحجر، فتنبتُ زيتونًا” (تحويل الصراع إلى زرع، والعنف إلى جذور).
-· “نكتبُ أسماءَنا في الندى، فتصحو الأرضُ علينا” (الكتابة المؤقتة في الندى تصبح استيقاظًا للأرض، أي أن الحضور الرمزي يسبق الحضور المادي).

الخاتمة هي ذروة التحوّل:

“سنعود … لا لأن الطريقَ صار سهلًا، بل لأننا صرنا الطريق”.
هنا اكتمال الانقلاب: من السالك إلى المسار نفسه، ومن المنتظر إلى الصانع.
العودة ليست رجوعًا جغرافيًا فقط، بل تحوّلًا وجوديًا.

اللغة:
تعتمد على التكثيف الاستعاري (الجدار ينبض، النافذة تتدرّب، الخطى تنبت زيتونًا)، والإيقاع الداخلي عبر التكرار المتدرّج (تتدرّب… تتعلّم). الموسيقى هادئة لكنها نابضة، تناسب الصمود الهادئ العنيد.

الانطباع العام:
نصّ راقٍ بامتياز، يخلع عن القضية الفلسطينية عباءة البكائيات، ويرتقي بها إلى مستوى الأسطورة المقاومة. هو درس في كيف تصنع الأدب من جراح الجغرافيا، وكيف يكون الجدار نفسه مادةً لبناء النوافذ.
إنه نموذج للأدب الذي لا يكتفي بالتفاعل العاطفي، بل يعيد تشكيل الوعي بآليات المقاومة الرمزية.
عمل يستحق أن يُقرأ بصوت عالٍ.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com