يريدون مسيحًا وفق أجنداتهم وأهوائهم، والسيد المسيح أتى إلى هذا العالم لكي ينشر قيم المحبة والأخوة والرحمة بين الإنسان وأخيه الإنسان.

لقد استفزّت تصريحات نتنياهو المسيئة للمسيحية كافة المسيحيين، وكافة العقلاء والحكماء في هذا المشرق وفي العالم بأسره.
إنها تصريحات مسيئة ومرفوضة جملةً وتفصيلًا، لكنها ليست مفاجئة، ذلك لأن هنالك فكرًا صهيونيًا إقصائيًا مهمّشًا لكل من هو غير يهودي، ويعتبر المنتمين إلى الأديان الأخرى بانهم أغيارًا.
نتنياهو ينتمي إلى هذه المدرسة العنصرية، ولكن ما يهمّنا بالدرجة الأولى ليس فقط ما يقوله، بل ما تفعله حكومته بحق إنساننا الفلسطيني، والذي يُستهدف في كافة تفاصيل حياته.
ففي الوقت الذي يسيء فيه للمسيحية وللمسيحيين في كل مكان، هو مستمر في سياسته العدوانية تجاه شعبنا، وحرب الإبادة في غزة خير شاهد على ما ارتُكب بحق هذا الشعب المظلوم، والذي يسعى للعيش بحرية وكرامة في وطنه وفي أرضه المقدسة.
إن هذا التيار الصهيوني الذي ينتمي إليه نتنياهو يريد مسيحًا من نوع آخر.
هم يريدون مسيحًا وفق أهوائهم وأجنداتهم وسياستهم؛ يريدون مسيحًا يقول للقاتل: ابقى قاتلًا، وللمجرم: ابقى مجرمًا، وللسفاح: ابقى سفاحًا.
الرب يسوع المسيح أتى إلى هذا العالم لكي يغيّر الكثير من المفاهيم الخاطئة، وبعضها مدوّن في العهد القديم، أتى لكي يصحّح الاعوجاجات في هذا العالم، ولكي يقول لكل إنسان: كن إنسانًا حقيقيًا متحلّيًا بالقيم والرحمة والإنسانية.
أتى الرب يسوع المسيح إلى هذا العالم لكي يدعو الخطأة إلى التوبة، ولكي يقول للقاتل: توقّف عن قتلك، وللمجرم: توقّف عن إجرامك، ويبدو أن نتنياهو يريد مسيحًا وفق مزاجه وأهوائه، يبارك سياسته وممارساته وقمعه بحق الشعب الفلسطيني.
إن تصريحات نتنياهو الاستفزازية يجب أن تحظى بردود فعل من كافة الكنائس المسيحية في العالم، وليس بالضرورة ردًا عليه، فهو لا يستحق ذلك، بل توضيحًا للمفاهيم والقيم المسيحية القويمة التي لا تُحلّل القتل والحروب وامتهان كرامة وحرية الإنسان.
عندما أتى السيد المسيح إلى هذا العالم، اضطهده أولئك الذين أرادوه أن يكون مسيحًا وفق أهوائهم وأجنداتهم.
أرادوا مسيحًا يقول للقاتل: ابقَ قاتلًا، وللسارق: ابقَ سارقًا، وللخاطئ: ابقَ في مستنقع الخطيئة، ولكن الرب يسوع أتى إلى هذا العالم لكي يحدث انتفاضة على كل الشرور، ولكي يحثّ البشر جميعًا على التحلّي بالقيم الإنسانية والأخلاقية النبيلة.
الكثيرون في هذا العالم يسيئون للمسيحية لأنهم لم يتعرّفوا عليها ولم يختبروا روحانيتها.
هنالك من يشكّكون ويتطاولون على الإيمان المسيحي لأنهم يريدون مسيحية من نوع آخر تُحلّل ما حرّمه الله، والله لا يقبل القتل والحروب وامتهان حرية وكرامة الإنسان.
نستذكر الكلمات الخالدات التي نطق بها السيد المسيح وهو على الصليب، حيث طُعن بحربة، وكان البعض يشتمونه ويستهزئون به، إذ قال: يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون.
مشكلتنا مع نتنياهو وزمرته أنهم يعرفون ماذا يفعلون، ويظنون أن قوتهم العسكرية واستهدافهم للشعب الفلسطيني إنما هي بطولة يستحقون عليها الأوسمة والنياشين.
القوة العسكرية الفتّاكة والقاتلة والمستهدِفة للمدنيين ليست بطولة، بل هي تناقض كلي مع القيم الإنسانية والروحية النبيلة.
إن إيماننا المسيحي يعلّمنا أن نصلّي من أجل أعدائنا، ويحثّنا على أن نصلّي من أجل الضالّين، لعلّهم في وقت من الأوقات يعودون إلى رشدهم وإلى إنسانيتهم.
إن كلمات نتنياهو الاستفزازية تدل على نرجسية وغرور وسطوة، نعتبرها آفة يعاني منها عالمنا اليوم.
وهذه الآفة مصدرها ليس فقط نتنياهو، بل هنالك منظومة سياسية في هذا العالم تؤمن بالحروب وبثقافة القتل والانتقام، في حين أن العالم بحاجة إلى قادة يعملون على إطفاء النيران المستعرة، وتكريس ثقافة المحبة والأخوة والسلام بدلًا من لغة الموت والتهديد والوعيد والحروب.
وفي هذه العجالة أقول إن نتنياهو لم يُسِئ إلى السيد المسيح، بل أساء إلى نفسه وإلى المنظومة السياسية التي يمثلها لا بل أقول انه اماط اللثام عن الوجه الحقيقي للسياسة الاحتلالية الغاشمة و التي تمثل وصمة عار في جبين الإنسانية .
السيد المسيح يبقى الفادي والمخلّص والمعلّم، مهما أسيء إليه.
إن من يسيء للسيد المسيح إنما يسيء إلى نفسه.
نرفع الدعاء ونحن في فترة الصوم الكبير من أجل عالمنا وحكّامه، ومن أجل أولئك الذين يتحكّمون بمصائر الشعوب، متمنّين أن تكون عندهم الإنسانية والقيم لكي يعملوا من أجل خير العالم وتكريس قيم المحبة والسلام.
لا يوجد مسيح وفق ما يريد نتنياهو وجماعته، ولا يوجد كتاب مقدس يُحلّل ما يفعله الاحتلال من استهداف لشعبنا.
الكتاب المقدس، والذي تُحرّفه بعض التيارات الصهيونية، إنما هو بريء من كل هذه التفسيرات المغلوطة، فالله لا يُحلّل القمع والظلم واستهداف الأبرياء.
إلهنا إله سلام ومحبة، فلا تجعلوه إله كراهية وعنصرية وحروب وموت.
نستعد لعيد القيامة، والقيامة هي انتصار للخير على الشر، وانتصار للحياة على الموت، وانتصار للمحبة على الكراهية والعنصرية.
هذه هي المسيحية، وهذا هو الرب يسوع المسيح الذي يُساء إليه بتصريحاتهم، ولكن رسالته ستبقى ثابتة، ينادي بها المؤمنون ويتمسّكون بها ويدافعون عنها في عالم اليوم.
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 21 آذار 2026



