في قطاع غزة، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بالقدرة على الاحتمال.. نضال احمد جابر جودة

ما بين الوعي واللاوعي، يعود المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة لعيش زمنٍ بعيد، كأنه انزلق قسرًا إلى القرن التاسع عشر، ليجسد واقع المسرحية الشهيرة Waiting for Godot للكاتب Samuel Beckett، ولكن بصيغةٍ أكثر قسوة: انتظار المجهول. في غزة، لا يُرى “المجهول” كفكرة، بل كحياة يومية: طفلٌ يستيقظ بلا مدرسة، لا لأن اليوم عطلة، بل لأن الغد نفسه مُعطّل؛ أبٌ يقف أمام ركام بيته، لا يبحث عن جدارٍ قائم، بل عن ذاكرةٍ لم تُدفن بعد؛ أرملةٌ عشرينية، وأخرى ثلاثينية، غاب زوج كلٍّ منهما قسرًا إلى الأبد، دون إجابةٍ تُطفئ هذا الغياب؛ أمٌّ تعدّ وجبةً من العدم، وتوزّع القلق بالتساوي على أبنائها؛ ومجتمعٌ مدنيٌّ زُجّ به ليكون شريكًا أساسيًا في الخسائر رغم أنفه.
وفي الشارع، لا شيء يسير إلى الأمام؛ الخطى نفسها، الوجوه نفسها، والأسئلة نفسها التي لا تجد إجابة. الناس لا يعيشون يومهم… بل يستهلكونه حتى نهايته، وكأنهم ينجزون عبء الوقت لا أكثر. هنا، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بالقدرة على الاحتمال: ساعة كهرباء تُشبه حدثًا، وهدوء مؤقت يُشبه نجاة، وخبرٌ عابر قد يُعيد تعريف يومٍ كامل.
لكن ما يحدث أخطر من المشهد نفسه؛ فالواقع هنا لا يتشكل فقط بفعل الأزمات، بل بطريقة إدارتها، حيث تُدار الحياة بمنطق التأجيل، وتُرحَّل الحلول، ويُعاد تدوير الوعود، حتى يصبح الغد مشروعًا دائمًا… لا يصل أبدًا. في هذا السياق، لا يعود “المجهول” مجرد غيابٍ للحل، بل نتيجة طبيعية لواقعٍ يُبقي كل شيء معلّقًا: لا انهيار كامل يُفرض التغيير، ولا استقرار حقيقي يسمح بالحياة.
وهكذا، يتحول الانتظار من حالة اضطرار… إلى حالة مُنظَّمة؛ يتعلّم الناس كيف يخفّضون سقف أحلامهم، وكيف يتكيّفون مع ما يُقدَّم لهم بوصفه الحد الممكن، وكأن ما دون ذلك خطر… وما فوقه مستحيل. في هذا النوع من الواقع، لا يُطلب من الناس أن يعيشوا جيدًا، بل أن يستمروا فقط.
وهنا تكمن المفارقة القاسية: ليس لأن الحل غائب تستمر الأزمة، بل لأن بقاءها معلّقة يخدم توازنًا لا يُراد له أن يختل. فالمجتمع الذي ينتظر طويلًا لا يُرهقه الغياب فقط، بل تُرهقه أيضًا إدارة هذا الغياب. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: متى ينتهي هذا الواقع؟ بل يصبح السنضال احمد جابر جودة.ؤال الأكثر إزعاجًا: من الذي يملك مصلحة في أن يبقى كل شيء معلّقًا؟
غزة اليوم لا تقف فقط على حافة الانهيار، بل على حافة لحظة وعيٍ حاسمة: إما أن تستمر في إتقان الانتظار، أو أن تعيد تعريف دورها، خارج هذا الانتظار. لأن الزمن الذي يُقاس بالاحتمال، لا يصنع مستقبلًا، بل يستهلكه بصمت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com