لا نملك ترف الادعاء ولا مساحة للمناورة

يخرج الصادقون من بين ركام منازلهم وذكرياتهم، من حياةٍ انقلبت فجأة إلى نزوح قسري. أصحاب البيوت المدمرة، الذين دفعوا رأس مالهم دفعة واحدة وخسروا كل شيء، لا يملكون ترف الادعاء ولا مساحة للمناورة. صمودهم ليس شعارًا، بل ضرورة، وهم وحدهم خارج لعبة التبرير، لأن خسارتهم مكتملة ولا تحتاج إلى تفسير.

خارج هذا الواقع المؤلم، يقف الجميع في دائرة المسؤولية. بدرجات متفاوتة، أسهم المؤيدون والمعارضون، المبادرون والنشطاء، القادة والساسة، فالجميع منهم شريك اساس في كسر صورة الإنسان في قطاع غزة، وفي تمزيق رأس المال البشري الذي يعد الأمل الوحيد للبقاء. لم تكن الخسارة صدفة، بل نتاج تراكم أفعال وإغفالات، تبريرات وصمت، ضعف في التخطيط وغياب الفعل.

المؤيدون بالغوا في الدفاع عن مواقفهم أحيانًا على حساب الحقيقة، ما جعل الولاء يغطي على الخطر، ويطيل عمر الأزمة. المعارضون، في المقابل، رفعوا سقف الخطاب أحيانًا أكثر من سقف الحلول، فتراجعت القدرة على التحرك نحو واقع أفضل. وفي المسافة بينهما، تحوّلت بعض المبادرات والنشاطات إلى أدوات استهلاك الأزمة بدل مواجهتها، تُنتج أثرًا مؤقتًا ولا تُبني استدامة، الشيء الذي اسهم في تحويل الإنسان إلى مجرد متلقيٍ للحاجة.

أما القادة والساسة، فكانت لهم القدرة الأكبر على التغيير، لكن الأداء غالبًا أعاد إنتاج الأزمة بدل حلها. إدارة مؤقتة، قرارات تؤجّل الانفجار، وخطاب يعيد نفسه بينما الواقع ينهار. وهنا، لم يُهدر الإنسان عن طريق الخطأ، بل تُرك ليُستنزف، لتصبح الثقة بالنفس والمجتمع منسية.

النتيجة ليست فقط بيوتًا مدمرة، بل إنسانًا مهدّمًا، فاقدًا للثقة، عالقًا في دائرة من الدفاع والتبرير والانتظار. هذه هي الخسارة الكبرى: حين يتحول الإنسان من طاقة قادرة على الفعل إلى حالة انتظار بائسة، ويصبح المجتمع أسير الصور الوهمية عن ذاته.

ومع ذلك، لا تزال هناك نافذة للنجاة، تبدأ من الداخل: أن يتخلى المؤيد عن وهم العصمة، وأن يتحول المعارض من مجرد ناقد إلى فاعل، وأن يعيد المبادر تعريف دوره كصانع أثر حقيقي، وأن يُعاد الاعتبار للإنسان كقيمة مركزية لا كأداة في صراع. ويجب على جميع أفراد المجتمع المدني في قطاع غزة التحرر من صمتهم، وإطلاق صوت جماعي واحد يطالب بحقوق المواطنة بوضوح: الحقوق مقابل الواجبات، الحقوق مقابل الانتماء، والحقوق مقابل الولاء.

الحقيقة التي لم يعد ممكنًا تجاهلها واضحة: لا نملك ترف الادعاء، ولا مساحة للمناورة. إما أن يُستعاد الإنسان، أو تستمر الخسارة حتى آخر ما تبقى منه.

نضال احمد جابر جودة.

من فوق ركام منزلي المُدمر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com