الخطاب الديني البارد في زمن الفتن.. بقلم الشيخ الدكتور / محمد بدران

تمهيد: حين يفقد الخطاب حرارت
في زمن تتسارع فيه الفتن، وتتزاحم فيه التحديات على مستوى الفرد والمجتمع، لا يكون الخطر فقط في الفتنة ذاتها، بل في طريقة التعامل معها، وفي طبيعة الخطاب الذي يُفترض أن يوجّه الناس خلالها. إذ يظهر نوع من الخطاب الديني البارد غالبا ما يصدر هذا النوع من الخطاب عن طبقة من العلماء يمثلون المستوى الرسمي في الدولة المسلمة اكثر من تمثيلهم للدين، ومن على شاكلتهم من الجماعات كالجامية وغيرها، الذي يفتقد حرارة الإيمان، وصدق الانفعال، ووعي الواقع، فيتحول من أداة إحياء إلى وسيلة تخدير.
ما المقصود بالخطاب الديني البارد؟
هو ذلك الخطاب الذي يقدّم النصوص بمعزل عن واقع الناس، ويُنزّل الأحكام دون مراعاة للسياق، ويغلب عليه الجمود والتجريد، فلا يلامس الجراح، ولا يجيب عن الأسئلة الحارقة، ولا يواكب تعقيدات المرحلة. خطاب يكرّر دون أن يفسّر، ويأمر دون أن يفهّم، ويعظ دون أن يُشعِر.
في زمن الفتن… الحاجة إلى البصيرة لا البرود
لقد وصف النبي ﷺ حال الفتن وصفًا دقيقًا حين قال: “ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي…” (متفق عليه).
هذا الحديث لا يدعو إلى السلبية، بل إلى الوعي، وضبط الانفعال، وعدم الانجرار الأعمى. وهنا يظهر الخلل حين يُفهَم الحديث خارج سياقه، فيُستخدَم لتبرير الصمت عن الظلم، أو التراجع عن قول الحق، فيتحول الخطاب من ترشيد الفعل إلى تعطيله.
تداعيات الخطاب البارد على الفرد
حين يسمع الفرد خطابًا باردًا لا يعبّر عن معاناته، يشعر بالانفصال عن الدين، وكأن الدين لا يملك إجابات حقيقية لمشكلاته. فينشأ نوع من الازدواجية: تديُّن شكلي، مقابل حياة واقعية مضطربة. كما قد يدفعه ذلك للبحث عن بدائل أكثر تطرفًا أو أكثر تفلتًا.
تداعياته على المجتمع
المجتمع الذي يُغذّى بخطاب بارد يفقد حسّه الجمعي، وتضعف فيه روح المبادرة، ويصبح أكثر قابلية للانقسام. إذ لا يجد الناس خطابًا يجمعهم على وعي مشترك، بل خطابات متباعدة، بعضها يهوّن من الخطر، وبعضها يبالغ دون حِكمة، فتضيع البوصلة.
تداعياته على الواقع السياسي والاقتصادي
الخطاب البارد يخلق مسلمًا سلبيًا، لا يملك أدوات الفهم، ولا الجرأة على الإصلاح، فيُترك المجال للفساد أن يتمدد، وللظلم أن يستقر. كما يؤثر على السلوك الاقتصادي، حيث يغيب الوعي بقيم العدل، والأمانة، والمسؤولية، فتتحول المعاملات إلى مجرد مصالح بلا أخلاق.
نحو خطاب ديني حيّ
الحاجة اليوم إلى خطاب يجمع بين النص والواقع، بين الثبات والمرونة، بين الحكمة والشجاعة. خطاب يستحضر قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143). فيوازن بين الانفعال والاتزان، وبين الحماسة والبصيرة. خطاب يشعُر بالناس قبل أن يوجّههم، ويعيش همومهم قبل أن يحاكمهم.
مثال من الواقع… حين يبرد الخطاب وتشتعل الحياة
في خضمّ الأحداث المتسارعة التي يعيشها الناس اليوم، حين يُهدم بيت، أو تُزهق روح، أو تُنتهك كرامة، ينتظر الناس كلمةً صادقة تُفسّر لهم ما يجري، وتربطهم بربهم، وتمنحهم وعيًا واتزانًا. لكنهم قد يُفاجأون بخطابٍ يكتفي بترديد عبارات عامة عن الصبر دون بيان مواضعه، أو يحذّر من الفتنة دون تفكيك أسبابها، أو يدعو إلى السكون دون تمييز بين الحكمة والعجز. في تلك اللحظة، يشعر المتلقي أن الخطاب لا يراه، ولا يسمعه، ولا يعيش ألمه. في المقابل، حين يرتقي الخطاب ليكون حاضرًا في الميدان، يربط بين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ (آل عمران: 139). وبين واقع الناس، ويُبصّرهم بسنن الله في الابتلاء، ويوازن بين الصبر المشروع ورفض الظلم، فإنه يتحول إلى قوة دافعة، تبني الوعي، وتضبط الانفعال، وتمنح الأمل دون تضليل.
حين تعود الحرارة إلى الكلمة
إن الكلمة الدينية ليست مجرد وعظ، بل مسؤولية، وقد تكون في زمن الفتن حياةً أو موتًا. فإذا عادت إليها حرارتها، وصدقها، ووعيها، عادت الأمة إلى رشدها، واستعادت قدرتها على مواجهة التحديات. أما إذا بقيت باردة، فإنها لن تزيد الواقع إلا جمودًا، ولن تنتج إلا مزيدًا من التيه…
– مدير عام دار الإفتاء والبحوث الإسلامية/الداخل الفلسطيني



