بين نزع الأنياب وإعادة التأهيل… هل تُعيد شروط ترامب تشكيل إيران أم تفجير المنطقة؟.. بقلم: شريف الهركلي

في مقاربة تبدو أقرب إلى “هندسة سياسية شاملة”، تعكس البنود المقترحة من دونالد ترامب رؤية تقوم على إعادة صياغة السلوك الإيراني، لا مجرد احتوائه. فهي ليست اتفاقًا نوويًا تقنيًا فحسب، بل مشروع إعادة ضبط شامل لدور إيران إقليميًا واستراتيجيًا.
البندان المتعلقان بتفكيك القدرات النووية ومنع التخصيب داخل الأراضي الإيرانية يمثلان جوهر الصدام. فهما يذهبان أبعد بكثير مما نص عليه الاتفاق النووي الإيراني 2015، الذي سمح بتخصيب محدود تحت رقابة دولية. هنا، لا يُطلب من إيران تقليص برنامجها، بل تفريغه بالكامل من مضمونه السيادي، وهو ما يُفسَّر في طهران كمساس مباشر بالسيادة الوطنية.
أما تسليم اليورانيوم المخصب وإخراج مواقع نطنز وفوردو وأصفهان من الخدمة، فهو انتقال من منطق “الردع النووي المحتمل” إلى “نزع القدرة نهائيًا”. هذه الشروط، إن طُبقت، تعني إنهاء أي قدرة مستقبلية لإيران على العودة إلى العتبة النووية، ما يخلّ بتوازن الردع مع خصومها، وعلى رأسهم إسرائيل.
لكن، أليس من المشروع طرح السؤال الأكثر إحراجًا: لماذا يُحرَّم على إيران ودول عربية في الشرق الأوسط امتلاك سلاح نووي تحت ذرائع الاستقرار، بينما يُغضّ الطرف عن ترسانة إسرائيل النووية خارج أي رقابة أو مساءلة دولية؟ وهل نحن أمام نظام دولي يمنع السلاح… أم يحتكره؟
البعد الأخطر في هذه البنود لا يكمن في النووي فقط، بل في اشتراط التخلي عن “نهج الوكلاء” ووقف تمويل وتسليح الحلفاء في المنطقة. هذا البند يستهدف العمق الاستراتيجي الإيراني الممتد من العراق إلى لبنان مرورًا بـ سوريا واليمن. عمليًا، هو تفكيك لمنظومة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران خلال عقود، وتحويلها من لاعب مؤثر إلى دولة محصورة ضمن حدودها الجغرافية.
في المقابل، تقدم البنود حوافز مغرية: رفع شامل للعقوبات، دعم برنامج نووي مدني في بوشهر، وإلغاء آلية “إعادة فرض العقوبات تلقائيًا”. هذه الحوافز تعكس منطق “العصا والجزرة”، لكنها تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لنظام سياسي قائم على فكرة “الاستقلال الاستراتيجي” أن يقايض نفوذه الإقليمي وأدوات ردعه مقابل مكاسب اقتصادية؟
بند إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا يلامس شريان الطاقة العالمي، ويهدف إلى تحييد أحد أهم أوراق الضغط الإيرانية. أما تأجيل ملف الصواريخ الباليستية، مع قصر استخدامها على الدفاع، فيُعد محاولة مرحلية لتفادي تعقيد المفاوضات، لكنه يظل ملفًا مؤجل الانفجار.
في المحصلة، لا تبدو هذه الشروط إطار تفاوض بقدر ما هي “وثيقة استسلام مشروط” من وجهة نظر إيرانية، أو “اتفاق إعادة دمج” من وجهة نظر واشنطن. وبين هذين المنظورين، يقف الإقليم على حافة احتمالين: إما قبول إيراني يعيد تشكيل الشرق الأوسط وفق ميزان قوى جديد، أو رفض يفتح الباب أمام تصعيد قد يتجاوز حدود الحرب الباردة إلى مواجهة مباشرة.
في النهاية، يبقى السؤال الأعمق معلقًا: هل الهدف هو منع الانتشار النووي فعلًا، أم إعادة توزيع القوة في العالم وفق معايير انتقائية؟ وهل يُكتب الاستقرار عبر نزع القوة من الجميع… أم عبر احتكارها من طرف واحد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com