في رثاء أحمد قعبور : من رماد الغياب يولد النداء

بقلم أ.محمد الكفارنة
لم يكن قعبور غزّيّ الجغرافيا، لكنه كان غزّيّ الروح ، عرف غزة كما تُعرف القصيدةُ قلب شاعرها، ورأى في أطفالها ملامح الولد الذي لم يكبر ، وفي شوارعها لحنًا مكسورًا لكنه لا ينكسر ، في رحيله تقف الكلمات خاشعةً أمام سيرة رجلٍ لم يُساوم على الفن، فجعل من الأغنية موقفًا، ومن اللحن ذاكرة، وكان صوته جسرًا بين بيروت وغزة، وبين الحلم والرصاص، وبين الأم التي تنتظر، والطفل الذي لا يعود.
الفنان أحمد قعبور رحل صداه لكنه ما زال يوقظ فينا المعنى ،نودّع صوتًا كان يسكب في الحناجر كرامة وفي القلوب نارًا لا تنطفئ ، كان قعبور أكثر من فنان؛ كان وترًا مشدودًا بين الألم والأمل، يعزف على جراح الأمة لحنًا يُبقيها حيّة مهما تكاثفت عليها العواصف، لقد ترك فينا ذاكرة تمشي على قدمين، لأولئك الذين لا يكتبون الحروف بل يزرعونها في صدور الناس، فتنبت مواقف، وتُثمر صمودًا، وتُورق كرامة ، أما أغنية أناديكم فليست مجرد لحن ، بل إنها عهدٌ ممتد، ونداءٌ لا يشيخ: أناديكم… أشدّ على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم… كانت تلك الكلمات أكثر من أغنية؛ كانت بيان حبٍّ جماعي، وكانت اليد التي لا تنفلت من يد أخيها في الزحام والوجع ، ” وأناديكم” ما زالت تُقال في غزة حين تضيق الحياة ، فحين صدح في أناديكم لم يكن يغنّي بل كان يستنهض ، كانت كلماته جسورًا تعبر من بيروت إلى غزة، ومن قلبٍ موجوع إلى قلبٍ يقاوم ، “أناديكم أشد على أياديكم ” لم تكن مجرد عبارة بل كانت عهدًا مكتوبًا بمداد الدم، ووصية تتناقلها الأجيال ، واليوم وغزة تقف على حافة الوجع، بين ركام البيوت وصمت العالم، يعود صوته كأنه لم يغب: يخرج من بين الغبار، من تحت الأنقاض، من عيون الأطفال التي لم تنم ليقول:
لا تنكسروا غزة التي تعرف جيدًا معنى أن تُنادى ولا يُستجاب، تجد في صوت قعبور عزاءً لا يخونها.
في غزة حيث الليل أثقل من الحلم، وحيث الأمهات يخبئن الدموع في صدورهن، تتردد أغنيته كأنها وعد أن اليد التي تُشدّ لا تسقط، وأن الصوت إذا صدق لا يموت، لقد رحل الجسد لكن الأغنية بقيت ، وغابت الملامح والنداء ما زال يعلو:
أناديكم ، أنادي ضمائر ماتت، وأرواحًا تاهت، وأيادي ارتخت تحت ثقل الخوف.
في غزة يتردّد صوت أناديكم لا كأغنية ، بل كنبضٍ أخيرٍ في صدر الحياة ، في غزة يا قعبور لا وقت للدموع ؛ لأن الدمع ترف، ولا متّسع للحزن ؛ لأن الحزن يحتاج وطنًا آمنًا ، هنا فقط صوتك يُستعار كقلبٍ إضافي إذا خفق قلبٌ من شدة الألم تولّت أغنيتك البقاء ،كم يشبهك هذا الركام، ثابت، صامت، لكنه مليءٌ بحكايات لا تموت ، وكم تشبه غزة صوتك ، مكسورة في الظاهر، عصيّة في الجوهر، ترفض أن تنحني ولو اجتمعت عليها الدنيا.
إن قعبور لم يمت؛ لأن من يغنّي للحق لا يُدفن بل يُزرع، وأنت زُرعت في كل يدٍ ترتجف ثم تثبت، وفي كل أمٍّ تودّع ابنها ولا تودّع الكرامة، وفي كل طفلٍ يحفظ من أغنيتك أكثر مما يحفظ من طفولته، أما نحن فسنظل على النداء:
نسمعه فنشتعل، نردده فنقاوم، ونورثه حتى لا يُقال يومًا:
إن الصوت الذي قال أناديكم لم يجد من يجيبه ، أناديكم… لا لتسمعوا فقط، بل لتكونوا الجواب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com