قتل شهود الاثبات وإسكات الصوت الحر.. بقلم / إحسان بدرة

الصحفي شاهد إثبات على الحقيقة ولا يجوز أن يكون هدفا لها. إن ما يجري اليوم وما جري بالأمس يكشف واقعا مقلق حيث تتحول الكاميرا إلى تهمة و حاملها للهدف وتصبح الصحافة الخطر الذي يستوجب تصفيه.
واليوم لم تعد الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الصحفيين مجرد انتهاكات عابرة في سياق الحروب والعدوان بل تحولت تلك إلى سياسة ممنهجة تستهدف الحقيقة نفسها و أودت بحياة الآعلاميين والصحفيين في فلسطين ولبنان والتي كان اخرهما على شعيب وفاطمة فتوني وشقيقها المصور محمد على طريق جزين جنوب لبنان ليس بحادث معزولة عن ما جرى ومازال يجري في قطاع غزة وفلسطين بل حلقة جديدة في سلسلة دامية عنوانها إسكات الصوت الحر .
وما جرى في لبنان وقبله في غزة وفلسطين يؤكد وبكل وضوح أن الصحفي لم يعد مجرد ناقل للخبر. وشاهدا على الجريمة الإسرائيلية بل أصبح هدفا عسكريا بحد ذاته .
وهذا الاستهداف المتعمد ينسف كل الادعاءات المرتبطةبـ«أخلاقيات الحرب»، وأيضا يكشف سعي الاحتلال إلى طمس الرواية الحقيقية عبر تصفية شاهد الإثبات واسطات الصوت الحر.
وإن خطورة هذا النهج وتلك السياسة وهذه الجريمة أنها تأتي امتداد مباشرا لما يجري في قطاع غزة حيث سقط نحو 260 صحفيا خلال حرب الإبادة في واحدة من أكثر الجرائم دموية ضد الإعلام في التاريخ المعاصر هذا إلرقم الصادم لا يعكس حجم الخسارة البشرية إنما يكشف عن استراتيجية خضيرة القضاء على من ينقل الصورة والصوت لترتكب الجريمة بعد بصمت.
وإن افلات دولة الاحتلال من العقاب على مدي سنوات طويلة لم يكن خلل في منظومة العدالة الدولية بل تحول إلى ضوء أخضر لاعضاء الاحتلال رخصة وشرعية لا رتكاب ألمزيد من جرائم قتل واستهداف الصحافة والإعلام والصحفيين في الميدان فحين لا يحاسب المجرم على جريمته يتمادى في الاستمرار في ارتكاب المزيد من جرائم القتل والاستهداف حيث أنه لما تغيب العدالة تستباح الحقيقة.
ما تشهده الساحة اليوم إنما هو نتيجة مباشرة لهذا الإفلات المزمن وحيث تتكرر الجرائم وبنفس الأسلوب ونفس النهج ونفس السياسة.في ظل في غياب الرادع الدولي.
ورغم كل هذا فإن الرسالة التي يحاول العدو اتصالها وفرضها عبر جرائم لاستخدام الحقيقة واسكات صوتها لن تتحقق حيث أثبت التجربة أن أغتيال الصحفيين لا ينجح في إسكات الحقيقة وإنما يضاعف حضورها .
فكل صحفي يسقط يخلف وراءه عشرات الأصوات التي تواصل الطريق مؤمنة بأن الكاميرا والكلمة والصوت اسلحة في وجه القمع .
سياسة استهداف الصورة والصوت والكاميرا والصحفيين هو بمثابة استهداف لحق الشعوب في المعرفة ومحاولة لإعادة صياغة الواقع وفق رواية القاتل .. لكن الحقيقة مهما تعرضت لمحاولات الطمس تبقى عصية على الاغتيال والتصفية.
ووفق القانون الدولي الآنساني فآن استهداف الصحفيين يعد جريمة حرب مكتملة الأركان وهى لا تسقط بالتقادم تستوجب المسأءلة أمام المحاكم الدولية المختصة. لأن الصحفيين يصنفون كمدنيين يجب توفير لهم الحماية في أوقات الحروب والنزاع وأي اعتداء متعمد واستهدافهم بهذا الشكل المباشر يشكل انتهاكا صارخا لكافة اتفاقيات جنيف الدولية وقواعد القانون الدولي.
والاستمرار بهذا النمط من الجرائم بدون محاسبة لا يهدد حياة الصحفيين بل يفوض منظومة العدالة الدولية برمتها ويفتح الباب أمام شرعنة استهداف الحقيقة في كل نزاع حول العالم لذا فالمسؤولية لم تعد أخلاقية فقط بل قانونية أيضا وتلك المسؤولية تقع على المجتمع الدولي ومؤسساته القضائية لوضع حد لهذا الافتلات المزمن من العقاب
فالصحافة ستبقى، رغم الدم، شاهدةً على الجريمة… حتى يُحاسَب مرتكبوها.

صحفي وناشط سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com