توظيف الإسلام .. الجذور التاريخية للعلاقات الأمريكية الإخوانية.. قراءة في كتاب “مسجد في ميونيخ” للباحث إين جونسون

الكـاتـب والباحـث/ ناهــض زقــوت
المدير العام الأسبق لمركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق
قبل أشهر أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمرسوم رئاسي يصنف فروع حركة الإخوان المسلمين في لبنان والأردن ومصر بأنها منظمات إرهابية. دون أن يتطرق إلى فروع الجماعة في الولايات المتحدة والدول الأوروبية المنتشرة تحت أسماء ومسميات شتى. ويأتي هذا الحظر بعد ما يزيد عن سبعين عاماً من التعاون والتعامل المباشر والمصالح المشتركة بين جماعة الإخوان المسلمين والدوائر الغربية والأمريكية كأداة من أدوات الدعاية في مواجهة الشيوعية والاتحاد السوفيتي، وتلك كانت كلمة السر المعلنة، أما الكلمة المخفية فكانت توظيف الاسلام السياسي لخدمة مصالح الامريكية ومأربها الاستراتيجية في العالمين العربي والإسلامي.
كانت دائماً ما تثيرني العلاقات الغربية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية مع الجماعات الإسلامية، وخاصة الإخوان المسلمين، تلك العلاقة التي أنكرتها الجماعة طوال سنوات عديدة، وتربت أجيال على أن ثمة علاقة عداوة بين جماعة الإخوان المسلمين والدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة، وتلبست تلك العداوة بثوب العداوة للإسلام نفسه كعقيدة دينية.
في حمية تربية الأجيال على العداوة، كانت المراكز الإسلامية التابعة للإخوان المسلمين تعمل بكل علانية ودون قيود في العاصمة الأمريكية واشنطن وولاياتها، كذلك في البلدان الأوروبية، وتستقبل الزوار والوفود بين ردهاتها، وتعقد اللقاءات والندوات تحت أعين وبصيرة المخابرات الأمريكية CAI دون خوف أو رهاب نفسي.
وقد أشار الدكتور موسى أبو مرزوق في الفصل السادس من مذكراته (الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات، بيروت 2019) إلى “البعث الإسلامي في أمريكا” ودور حركة الإخوان المسلمين المركزي في هذا البعث، ذاكراً بالأسماء قيادات العمل الإسلامي في الولايات المتحدة وجنسياتهم، والأسر التنظيمية للجماعة في عموم الولايات المتحدة، وتشكيل الخلايا التنظيمية، حيث يشير إلى أن الولايات المتحدة كانت مقسمة إلى سبع مناطق تنظيمية تابعة للإخوان المسلمين. يقول: “في عموم الولايات المتحدة، فقد وجد أبو مرزوق حركة اسلامية ناشطة كانت قد بدأت ما يمكن تسميته بحركة بعث إسلامي بين المسلمين في أمريكا منذ بداية الستينيات”. وقد لعب أبو مرزوق دوراً مركزياً في نشاط جماعة الإخوان في أمريكا من خلال النشاط السياسي والتنظيمي والإداري، ولاحقاً في دعم حركة حماس وبلورة توجهاتها السياسية والتنظيمية. يتحدث في مذكراته باستفاضة عن مراحل النشاط الإخواني في الولايات المتحدة، والمؤسسات والجمعيات التي اشتغلت الجماعة من خلالها. ونلاحظ أن جميع القادة الذين لمعت أسماءهم لاحقاً كانوا جزءاً من حركة البعث الاسلامي في الولايات المتحدة.
وقد كان ثمة علاقات أعمق للإخوان المسلمين مع الغرب وخاصة مع ألمانيا في فترة النازية (هتلر) سبقت العلاقات الامريكية، تلك العلاقات التي كشف عنها الباحث الامريكي إين جونسون في كتابه الذي بين أيدينا المعنون (مسجد في ميونخ: النازيون … وكالة الاستخبارات المركزية، بزوغ نجم الإخوان المسلمين في الغرب) الصادر في بوسطن – نيويورك سنة 2015. وترجمه للعربية أحمد جمال أبو الليل، وصدر عن مكتب سطور للنشر بالقاهرة.
يُعد هذا الكتاب من الأعمال الاستقصائية التي تربط بين التاريخ السياسي والدين والجغرافيا الاستراتيجية، من خلال دراسة حالة مسجد ميونخ باعتباره نموذجاً لفهم تحولات الرؤية إلى الإسلام في أوروبا والولايات المتحدة خلال القرن العشرين. ويمثل مرجعاً مهماً لفهم العلاقة المعقدة بين الإسلام والسياسة الغربية. ومن خلال تحليل حالة واحدة (تلك الحالة كانت مسجد ميونيخ)، يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول دور المؤسسات الإسلامية، وأساليب توظيفها في الصراعات العالمية.
إن وجود مسجد في ميونيخ، تلك المدينة الألمانية التي تقع جنوب شرق ألمانيا قرب حدود النمسا، موضوع يثير الاستغراب والدهشة، فلم تذكر أدبيات الإخوان المسلمين هذا المسجد كمركز إسلامي من بين مراكزها التي كانت منتشرة في بريطانيا والولايات المتحدة. حتى يكتشف الباحث بالصدفة، وهو يقلب الكتب والخرائط في إحدى مكتبات لندن، أن ثمة اشارة في إحدى الخرائط لمركز إسلامي في ميونيخ، مما أثار ذهوله واستغرابه، وهو الخبير والباحث في شؤون الجماعات الدينية، مما دفعه فضوله العلمي للبحث وراء هذا المركز/ المسجد وقصته.
يقول الباحث: يعود نشأة هذا المسجد إلى ثلاثينيات القرن العشرين، وتنازعته ثلاث قوى للسيطرة والهيمنة، ولكل منها مآرب متباينة. المسجد أنشأ في حقبة النازية بألمانيا بمساعدة أجهزة الاستخبارات الألمانية، التي اعتمدت على مجموعة من المفكرين النازيين الذين عمدوا إلى استخدام الاسلام كسلاح سياسي في مواجهة الشيوعية، إبان الحرب العالمية الثانية، ليستأنفوا الاستراتيجية ذاتها خلال سني الحرب الباردة. ومجموعة أخرى كان سواد أفرادها من وكالة الاستخبارات الأمريكية الذين شرعوا في استخدام الإسلام وسيلة لمحاربة الشيوعية وكسر شوكتها. وثمة مجموعة ثالثة كان قوامها من إسلامويين راديكاليين رأوا في المسجد موطئ قدم لهم في الغرب وخاصة جماعة الإخوان المسلمين. وثمة قاسم مشترك بينهم جميعاً، أن الهدف لم يكن إنشاء دار عبادة، بل إرساء قاعدة لأنشطة سياسية قد لا تخلو من عنف ممنهج.
يناقش الكتاب عبر سردية الفصول قضية مركزية كانت تمثل بدايات العلاقة في استخدام الإسلام كأداة لخدمة الأهداف والرؤى الغربية. حيث كانت البداية، كما يشير الباحث، بين النازية والأقليات المسلحة في القوقاز وآسيا الصغرى، ويشرح كيفية تطور تلك العلاقة التي كانت قائمة على توظيف الإسلام في قضايا سياسية تحقق المصالح الألمانية، وخاصة محاربة الاتحاد السوفيتي والشيوعية، وتشكيل جيش من المسلمين ضمن الجيش النازي في الحرب العالمية الثانية. ويأتي إنشاء المسجد في ميونخ تتويجاً لتك المصالح والأهداف، ليكون بمثابة المركز الرئيسي لجماعة الإسلام السياسي التي تعمل لصالح المخابرات الألمانية، وقد استقطب المسجد لاحقاً عناصر كثيرة من مناطق عديدة، أبرزها جماعة الإخوان المسلمين ليكونوا الأداة الرئيسية في دعم المصالح الألمانية، ولاحقاً المصالح الأمريكية والبريطانية.
تعتمد منهجية الكتاب على الوثائق الأرشيفية الأمريكية والألمانية، وشهادات حية، وتحليل تاريخي سياسي، ويشرح الكتاب بالتفصيل علاقات المصالح المشتركة بأسمائهم وأدوارهم مستنداً إلى لقاءات مع كثير من مسلمي ألمانيا، وبالاطلاع على خبايا مواد أرشيفية أمريكية وأوروبية. يقول الباحث: “وبين صناديق وملفات حوت وثائق ما برحت محابسها، إذ ظلت أسيرة التناسي ورهينة الاهمال، وأخرى قد أفرج عنها مؤخراً، لملمت خيوط القصص وجمعت فتات الوقائع، قصص ووقائع تفصح عن أناس ذوي منزلة وشأن أرسيت على أيديهم الدعائم الأيديولوجية للمسجد، ليعقب ذلك حرب اشتعل فتيلها، واستعر أوارها فيما بينهم حول مدى أحقية فصيل دون آخر بالاستئثار بالمسجد والتحكم به”. كما يشير الباحث إلى منع الاستخبارات الأمريكية الكشف عن عدد كبير من الوثائق تتعلق بشخصيات كان لها علاقة بالاستخبارات، باعتبار أنها ذات طابع أمني.
يمزج الباحث بين الرواية والتاريخ في سردية لغوية مسار تلك العلاقات وأهم رموزها بشكل موسع، وبمعلومات تفصيلية قد تصل لحد الملل، عبر فصول كتابه الذي تجاوز ال400 صفحة، ومقسم إلى ثلاثة أجزاء، وموزعة على ست عشرة فصلاً، كالتالي: الجبهة الشرقية، خبير اللسان التركي، الأنموذج النازي، إحياء الاوستمنستريوم، مفتاح العالم الثالث، تعلم الدرس، مسجد ميونيخ .. وبداية تشكيل الملامح، وصول الدكتور رمضان، لعبة التوازنات وزواج المصلحة، قصة الروائي، من عساه يفوز بإدارة المسجد، إذ ينفلت الزمام، الإخوان المنتصرون، فيما أبعد من ميونيخ، نحو بلورة الجدل، الخمسينيات تعيد نفسها، من داخل المسجد. عبر هذه الفصول يتشكل السرد ليكشف عن حقائق مذهلة عن التعاون الخفي والسري بين المخابرات الألمانية والأمريكية وجماعة الإخوان المسلمين، واستخدامهم كأداة نشطة في محاربة الشيوعية والقوى المناهضة للغرب في المشرق العربي والاسلامي، وتطورات هذه العلاقة لما هو أبعد من محاربة الشيوعية.
بدأت العلاقة بين الإخوان المسلمين والمخابرات الأمريكية في سنة 1953م، حيث كانت الاستخبارات الأمريكية في عهد الرئيس ترومان تسعى للبحث عن شخصية كاريزماتية تستطيع حشد المسلمين وقيادتهم في حملة مناهضة الشيوعية، لذلك وضعت لجنة الاستراتيجية السيكولوجية التي أنشاها ترومان برنامجاً للشرق الأوسط، شرع في تنفيذه اعتباراً من شباط/ فبراير 1953م، بعد تنصيب ايزنهاور رئيساً للولايات المتحدة. وجاء في تقرير اللجنة: “لا يمكن تناول العقلية العربية التقليدية دون الأخذ بعين الاعتبار التأثير الطاغي للدين الإسلامي في نمط التفكير العربي”. ومنذ عهد ايزنهاور بدأت الولايات المتحدة التفكير في توظيف الإسلام لتحقيق مآربها ومراميها.
يشرح الكاتب أوضاع العالم الاسلامي في فترة الاستعمار، ورؤية المفكرين الاسلاميين لأسباب ضعف الإسلام وتدهور أحوال المسلمين، والرؤى الفكرية المتباينة بين المفكرين الإسلاميين للخروج من الأزمة في القرن التاسع عشر أمثال: رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا. ساهم تلاقح هذه الأفكار في بدايات القرن العشرين إلى ظهور حركة إسلامية أطلق عليها المفكرون والمؤرخون حركة “الإسلامويين” تبايناً مع المسلمين التقليديين.
ويرى الكاتب أن الحركة الإسلاموية ليست هي العقيدة التليدة للدين الإسلامي، بل هي نظام فكري شديد العنف بالغ التسييس، ونظام خرجت نبتة الارهاب والعنف من بين ثناياه، والذي طال العالم بأسره خلال عقود خلت. فقد ذهب هؤلاء الاسلاميون إلى توظيف الدين لخدمة أجنداتهم السياسية، سواء بالطريق الديمقراطي أو بالعنف، ومن هنا جاء مصطلح الإسلام السياسي.
وحسب إين جونسون، كانت جماعة الإخوان المسلمين التنظيم الأكبر الذي سار على نهج فكرة الإسلام السياسي. وتلك الجماعة هي التي جعلت مسجد ميونيخ خلية سياسية لخدمة أهدافها ومآربها. فقد كانت ميونيخ نقطة انطلاق الجماعة وتوغلها في المجتمعات الغربية.
ويوضح الكتاب مسألة مهمة في تاريخ جماعة الإخوان في مصر وعلاقتهم بالنازية، حيث تلقوا أموالاً من عملاء نازيين، وفقاً لمستندات تحصل عليها البريطانيون في بواكير الحرب العالمية الثانية، فقد حصلت الجماعة على مبلغ ألفي جنيه مصري من الصحافي الألماني “فيلهلم شتيلبوغن” مدير وكالة الأنباء الألمانية والمقرب من الجالية الألمانية بالقاهرة، واستخدم هذا التحويل النازي في انشاء “التنظيم الخاص” لجماعة الإخوان، وهو نظام تراتبي شبه عسكري.
ويسبر الكاتب أغوار العلاقات المعقدة بين أجهزة الاستخبارات الألمانية والأمريكية في تطويع الاسلام والجماعات المنتمية له من خلال شخصيات من أسيا الوسطى ومناطق القوقاز والشرق الأوسط أمثال: ميخائيل كيديا، وعلي قنطمير، وولي قيوم خان، وغريب سلطان، وموسى جليل، واسحق موسى الحسيني، وإبراهيم كوجا اوغلو، ومحمد سعيد شامل، وأحمد بن ماغوما، وولي زنون، ونور الدين نقيب خوجة نمنقاني، وسعيد رمضان، وغيرهم الكثير ممن تولوا مسؤولية الدعاية والصحافة والإعلام لخدمة الرؤى الغربية في توظيف الإسلام.
سوف نترك الحديث عن تلك الشخصيات وعلاقاتها الاستخباراتية لقارئ الكتاب، ونركز على علاقة الإخوان مع الاستخبارات الأمريكية من خلال شخصية سعيد رمضان الذي يعتبر رائد تلك العلاقة التي بدأت مع الاستخبارات الألمانية، وتطورت وصولاً للاستخبارات الأمريكية.
يعد سعيد رمضان رائد حركة البعث الإسلامي في الولايات المتحدة، ومرسي قواعدها، ومساهم في بناء أركانها الإدارية والمؤسساتية. فهو من أقطاب جماعة الإخوان المسلمين في مصر، حيث انتمى اليهم في عام 1940م، وكان عمره آنذاك أربعة عشرة عاماً، درس القانون واشتغل بالمحاماة، وأصبح السكرتير الخاص لحسن البنا، وزوج ابنته الكبرى. لعب دوراً كبيراً في جماعة الإخوان وعلاقاتها الخارجية، وساهم في عقد مؤتمر العالم الاسلامي بالتحالف مع أمين الحسيني. كان هدفه من تلك الاجتماعات واللقاءات يتمثل في محاربة الشيوعية، وكذلك محمد أمين الحسيني، وقد توافقت – حسب رأي الكاتب – السياسة الأمريكية المناهضة للشيوعية مع مواقف الحسيني، إلا أن تاريخه في التعاون مع النازية قد حال دون أن يصبح حليفاً مقبولاً للأمريكيين. أما سعيد رمضان فكان شأناً آخر.
يقدم الكاتب تفاصيل اللقاء الأول الذي جمع سعيد رمضان مع المسؤولين الأمريكيين، وذلك في عام 1953م، إذ تلقى البيت الأبيض معلومات عن قدوم إسلاميين بارزين إلى جامعة برنستون لعقد مؤتمر إسلامي، ووافق البيت الابيض على عقد المؤتمر، وتم تكليف “أبوت ووشبورن” نائب مدير الوكالة الامريكية للمعلومات ومسؤول الاتصال بالبيت الأبيض بالمسؤولية عن المؤتمر. وتلقى المؤتمر دعماً من قبل الوكالة الأمريكية للمعلومات، ووكالة المعلومات الدولية التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، وجامعة برنستون، ومكتبة الكونجرس. وعلى مدار عشرة أيام عقد المؤتمر، وانتهى المؤتمر بلقاء أعضاء المؤتمر مع الرئيس ايزنهاور، وكان بينهم سعيد رمضان مندوب جماعة الإخوان المسلمين.
كانت أهداف المؤتمر الترويج للنهضة الإسلامية، حيث تعد جماعة الإخوان المسلمين الجماعة الأكثر نفوذاً ضمن عناصر هذه النهضة. أما أهداف الولايات المتحدة من عقد المؤتمر، فهي تحقيق أهداف السياسية الأمريكية في العالم الإسلامي، سواء في الأجل القصير أو في الأجل الطويل.
نشير بناء على ما ذكره موسى أبو مرزوق في مذكراته، أن هذا النشاط الإخواني كان بمثابة بداية بعث جماعة الاخوان المسلمين في الساحة الامريكية منذ بداية الخمسينيات، وليس الستينيات.
وبعد هذا المؤتمر قدمت تقارير المخابرات الأمريكية حول شخصية سعيد رمضان، والقاسم المشترك في مناهضة الشيوعية، ومدى التعاون في تحقيق أهداف السياسة الأمريكية في العالم الاسلامي. وتواصل ظهور رمضان في المحافل الدبلوماسية الأمريكية. يقول الكاتب: نظراً لكون بعض ملفات وكالة الاستخبارات الامريكية المركزية لم تفرج عنها، فيصعب القول، أن ثمة تمويلاً مباشراً كان لسعيد رمضان وجماعة الإخوان المسلمين، لكن الدلائل تشير إلى استخدام رافعة مالية ودفعة سياسية للدفع برجل الإخوان المسلمين إلى الأمام.
بعد أن وقع الصدام بين الرئيس جمال عبد الناصر وجماعة الإخوان في سنة 1954م على إثر حادث المنشية، اتخذت اجراءات صارمة بحق الإخوان المسلمين، وصلت إلى حد سحب الجنسية منهم واتهامهم بالخيانة العظمى. على إثر ذلك ارتحل سعيد رمضان إلى السعودية وسوريا وباكستان والأردن، وبدعم من المخابرات الأمريكية منحته الأردن جوازاً دبلوماسياً، ليتيح له الارتحال إلى أوروبا، حيث استقر به المقام في سويسرا. وبعد شهر من وصوله إلى جنيف شرع “روبرت دريهر” رجل المخابرات الأمريكية في العمل معاً، حيث شارك في المؤتمر الاوروبي الذي موله “روبرت دريهر”، ذلك المؤتمر الذي استهدف تمثيل جميع المسلمين في ألمانيا وأوروبا.
يتحدث الكاتب بالتفصيل عن تلك العلاقات التي جمعت سعيد رمضان مع المخابرات الأمريكية، ودوره في تجنيد الإخوان، ودوره في ألمانيا بعد انتقال “روبرت دريهر” كمنسق للمخابرات الأمريكية في ميونيخ، ومساهمته في الدعوة لبناء مسجد في ميونيخ، وتوليه رئاسة مجلس إدارة لجنة بناء المسجد بدعم من المخابرات الأمريكية، وكانت هذه اللجنة الخلية الأولي لجماعة الإخوان المسلمين. وبعدها أصبح جل اهتمام رمضان بناء مسجد ميونيخ لجماعة الإخوان في الدول الأوروبية، فشرع بعدة زيارات لبلدان عربية واسلامية لجمع التبرعات من السعودية والأردن وليبيا وتركيا، واستطاع أن ينشأ فروعاً لمكاتب لجنة بناء المسجد في العديد من البلدان التي زارها وتكفلت بالبناء, ووضع مسؤولية تلك الفروع في أيدي شخصيات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين.
هذا النشاط جعل رمضان يدخل في صراع مع شركائه في لجنة بناء المسجد، بعد أن رفض الكشف للجنة المسجد عن الجهة التي مولت رحلته إلى الشرق الأوسط، ومصادر الأموال التي جمعها. وكان أبرزهم “على قنطميز” رجل الاستخبارات الألمانية، مما دفع قوى الاستخبارات الألمانية التدخل لمناصرة خصوم رمضان. كذلك صراعه مع “أحمد كمال” وهو كاتب روائي ومغامر وجاسوس، ممن انخرطوا في ركاب الجهود الأمريكية لتوظيف الإسلام، من خلال “جماعة الإسلام” التي أسسها بدعم من الاستخبارات الأمريكية. كل هذا دفع رمضان للاستقالة، ولكن نتيجة لخلل ما في التصويت على اختيار البديل بقي رمضان رئيساً لمجلس إدارة لجنة بناء المسجد.
بعد هذا الصراع، وفشل رجال الاستخبارات الألمانية في إزاحة رمضان، استقالوا من مناصبهم، وانتهى النفوذ الألماني على مقدرات اللجنة، الأمر الذي جعل زمام اللجنة ينتقل إلى أيدي الطلبة من الإخوان المسلمين في ألمانيا بدعم من الاستخبارات الأمريكية. يقول جونسون: “بعد الاستفتاء غير الموفق، كان نقطة تحول هامة في تاريخ بناء المسجد. إذ عمد روبرت دريهر وباقي عصبته الأمريكية إلى تمتين علاقاتهم بسعيد رمضان أملاً في أن ينجح رمضان في أن يجعل للغرب مصداقية وصوتاً مسموعاً في العالم الاسلامي”. ما كان ليصبح سعيد رمضان – حسب جونسون – الملك المتوج للجنة بناء السجد إلا بفضل جهود روبرت دريهر مسؤول الاستخبارات الامريكية، ودعمه وتمويل نشاطاته ومؤتمراته. بهذا يتضح أن الدعم الأمريكي يهدف إلى جعل المسجد منبراً لرمضان وبالتالي لجماعة الإخوان. لذلك مولت الاستخبارات الأمريكية مشاريع لتلميع صورته من خلال اشراكه في مؤتمرات دولية تعنى بالإسلام في الغرب والمجتمع الأوروبي.
أصبح سعيد رمضان متفرداً ومهيمناً على المسجد، ومنح المناصب الإدارية لرجاله وأعوانه من الإخوان، وكان أبرزهم “غالب همت” من جماعة إخوان سوريا، الذي كان مساعداً لرمضان ومرافقاً له في جولته بالشرق الأوسط لجمع الأموال، وقد أصبح لاحقاً رئيساً لمجلس إدارة المسجد لثلاثة عقود متصلة، ولما كان يتمتع به من شبكة مصالح وعلاقات دولية واسعة. تحول المسجد على يديه إلى مركز للنشاط الاسلامي الدولي، ويصبح المركز منظمة قومية ذات أفرع عديدة في القارة الأوروبية، مرسيه حجر الأساس لمنظمات أوروبية ما زالت قائمة إلى اليوم، بما يؤكد أن نسخة الإخوان المسلمين المعتمدة للإسلام السياسي سيقيض لها أن تكون النسخة الأكثر نفوذاً في الغرب بأسره.
بدأ رمضان في توسيع نفوذه بدعم وتمويل من روبرت دريهر في أوساط الطلبة بألمانيا. في مارس 1962م قام رمضان بتوحيد الطلبة المسلمين في ألمانيا تحت اسم (مجلس الجمعيات الإسلامية بألمانيا)، واختار الطلبة لتشكيل مجلس إدارتها، لأنه لم يكن متحمساً للمسلمين التقليديين، وأصبح المجلس لاحقاً بديلاً عن لجنة بناء المسجد. يذكر الكاتب: أن رمضان كان يرغب في تكوين كادر إسلامي من الطلبة حديثي السن، يتسمون بالانطباعية، وهذا يمنحه القدرة على تشكيل ملامح دربهم وتضاريس شخصياتهم، مما يسهل السيطرة عليهم، حيث كان يرى رمضان أن الطلبة المسلمين الذين يدرسون في ألمانيا سيصبحون ذات يوم حكام بلدان العالم الاسلامي.
توسعت علاقات سعيد رمضان، بدعم من المخابرات الأمريكية، وكون شبكة من العلاقات من قيادات العمل الإسلامي في بلدان إسلامية وأوروبية عديدة. ساهم في تأسيس المركز الإسلامي في جنيف/ سويسرا الذي أصبح منطلقاً للعديد من الجماعات الإسلامية في أوربا، بالإضافة لتأسيس مراكز إسلامية أخرى.
يقدم الكتاب تفاصيل اجتماعات الإخوان المسلمين في ألمانيا وسويسرا، وأهمها اجتماع لوغانو السويسرية عام 1977م، حيث ضم العديد من الشخصيات الإخوانية التي لعبت دوراً مركزياً في بعث الإسلام في القارة الأوروبية والولايات المتحدة، وكان أبرزهم: يوسف ندا، ويوسف القرضاوي، وجمال برزنجي، وأحمد توتونجي، واسماعيل راجي الفاروقي، وغيرهم. وكان هدف الاجتماع إحياء الجماعة في أوروبا وتكوين المؤسسات، من أهمها: (المعهد العالمي للفكر الاسلامي) الذي دشن عام 1981م في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة. كذلك ساهم توتونجي في انشاء (اتحاد الطلبة المسلمين) في الولايات المتحدة وكندا.
وفي سبيل الإحياء والبعث الاسلامي، بدعم غير معلن من الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، نشطت جماعة الإخوان في تشكيل الاتحادات وتكوين المؤسسات على مساحة القارة الأوروبية، حيث أنشأت (المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية) بغرض تدريب الأئمة وصفوة المسلمين. و(المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث) بهدف نشر الأفكار الدينية للجماعة على امتداد أوروبا. و(مؤسسة الوقف الأوروبي) لجمع الأموال لأنشطة الجماعة. وكذلك (اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا). و(الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية). و(الأكاديمية الإسلامية في بنتسبرغ الألمانية). و(الجمعية الإسلامية في شيكاغو). و(مؤسسة الأقصى الخيرية). وعشرات المؤسسات الأخرى.
وتعد القاعدة المركزية الأوروبية للإخوان المسلمين الآن هي (مركز ماركفيلد للتعليم العالي) ويقع في حي سكني على أطراف مدينة ماركفيلد/ليستر في لندن، هو مؤسسة رائدة في بريطانيا للدراسات الإسلامية، يقدم المعهد دراسات عليا، بكالوريوس، ودورات في الإرشاد الإسلامي، ويضم مكتبة إسلامية ضخمة ومرافق إقامة ومؤتمرات، ويهدف إلى تطوير الفكر الإسلامي وتأهيل القيادات.
وفي ذلك الحي تمثل إحدى البنايات هناك مقراً ل(اتحاد المنظمات الإسلامية بأوروبا)، الذي يعد جماعة الظل للإخوان في أوروبا، والرابط والمنظم للعلاقة بين جميع المؤسسات التابعة للإخوان المسلمين في أوروبا، وكان الممول المالي الرئيسي مؤسسة محمد بن راشد ال مكتوم الخيرية والإنسانية ومقرها دبي، وهي مؤسسة لها روابط بجماعة الإخوان المسلمين.
وكان من نتائج اجتماع لوغانو السويسرية ظهور شخصية “يوسف ندا” وهو أحد أقطاب الإخوان المسلمين في مصر، واعتقل عدة سنوات في زمن الرئيس عبد الناصر، ورجل أعمال، ومساهم في تمويل مسجد ميونيخ وعلاقته وثيقة مع غالب همت، وأسهم في إمداد الإخوان داخل مصر بشبكة علاقات دولية واسعة النطاق، وشغل مفوض العلاقات الخارجية للإخوان، ومؤسس بنك التقوى الذي شغل رئيس مجلس إدارته غالب همت. يقول جونسون: “إذا كان سعيد رمضان قد مثل الرؤية الثاقبة، وكان غالب همت قد مثل العقل المدبر للجماعة، فإن يوسف ندا هو مهندس علاقاتها”. فقد أسهم ندا في ربط مسجد ميونيخ بشبكة الإخوان في سوريا، وتشكيل الجماعة الإسلامية في جنوب ألمانيا، ودعم نصيراً آخر للإسلام السياسي في الولايات المتحدة وهو “هشام يحيى طالب” الذي عمل في شركات ندا، حيث دعمه لعضوية الجماعة الإسلامية بجنوب ألمانيا، وعضوية مسجد ميونيخ. كما لعب دوراً جيداً في زيارة إيران بعد ثورة الخوميني، وساهم في مساعدة المجاهدين الأفغان.
وحرصاً من جماعة الإخوان المسلمين على إبراز الأهمية الدولية لمسجد ميونيخ، توسعت في عضويته حيث استقطبت أعضاء من الخارج، وصارت عضوية مسجد ميونيخ عنواناً للفخار ومبعثاً على الشرف. وممن ضمت عضويتهم خورشيد أحمد كممثل عن الجماعة الإسلامية التي أسسها أبو الأعلى المودودي في الهند البريطانية عام 1941م، كذلك عصام العطار رئيس جماعة الإخوان في سورية. وخلال الفترة التي امتدت ما بين عامي 1984 و1987 تولى مهدي عاكف الذي أصبح لاحقاً المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر، الامامة في مسجد ميونيخ.
ومن خلال رمضان وجماعة الإخوان المسلمين، ربطت، كما يذكر الكتاب، واشنطن نفسها في تحالف مع جماعات المقاومة الإسلامية السرية التي تعد الإلهام الحقيقي لمن صار يطلق عليهم اسم “المجاهدين الأفغان”، وكان أبرز قياداتهم: قلب الدين حكمتيار، عبد رب الرسول سياف، وبرهان الدين رباني، وخلال الحرب بين الاتحاد السوفيتي وأفغانستان ساهمت المخابرات الأمريكية بدعم وتسليح المجاهدين الأفغان لمحاربة السوفيت. وكل هذا بفضل العلاقة المبكرة مع جماعة الإخوان المسلمين، مما جعل من السهل على الاستخبارات الأمريكية أن تقوم بتسليح الأفغان.
في فترة التسعينيات اجتاحت أوروبا والولايات المتحدة سلسلة من الأعمال الإرهابية. يتناول الكتاب بالتفصيل عن دور مسجد ميونيخ ورجاله في أعمال إرهابية منها تمويل منظمة القاعدة، وتفجير مركز التجارة العالمي عام 1993م، وتفجير برجي التجارة في 11 سبتمبر 2001م. كذلك وجهت الاتهامات إلى بنك التقوى، وحسب المحققون بعد أحداث 11 سبتمبر أعلن أن البنك مول نشاطات إرهابية، فيما أعلنت الولايات المتحدة أن يوسف ندا وغالب همت هما ممولان للأنشطة الإرهابية ليتم تجميد حسابهما البنكي كنوع من الفعل للفعل أملاً في تهدئة الرأي العام، ولكن لم يستطع المحققون اثبات تهمة تمويل الارهاب عليهما لعدم وجود أدلة.
بعد أحداث 11 سبتمبر وانتشار العداء للمسلمين في المجتمع الأوروبي، وتشويه صورة الإسلام ووصمه بالإرهاب. واكتشاف أن أغلب الذين يقومون بالأعمال الإرهابية هم من العرب أو المسلمين حاملي الجنسيات الأوروبية والأمريكية. لذلك في أواخر عام 2005م قررت وزارة الخارجية الامريكية أن مسلمي أوربا في حاجة إلى مساعدة الولايات المتحدة ودعمها، فالكثير منهم يعيشون في مجتمعات موازية منفصلة عن المجتمع القائم، وهذا التهميش والانعزال هو سبب حالة العنف والتطرف لديهم.
بدأت وزارة الخارجية الأمريكية بمساعدة من الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية، وهي إحدى جمعيات الإخوان التي ساهم في تأسيسها يوسف ندا وقيادات الإخوان في أوروبا، بتنظيم المؤتمرات والندوات الدينية والثقافية، وإرسال وفود من جماعة الإخوان المسلمين ذوي جذور في أوروبا، بهدف خلق حوار وتعريف مسلمي أوروبا كيفية التنظيم والاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها.
وحديث بحديث نذكر أن البلدان العربية وخاصة مصر مع تزايد أعمال العنف من الجماعات الاسلامية، بدأ الأزهر في حملات توعية لأفراد الجماعات الذين تم اعتقالهم للعودة بهم إلى الدين الأصيل، في ذلك الوقت نشطت الدعاية الإسلامية من جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من الجماعات الإسلامية برفض هذه التوعية ووصم الأزهر ومنفذيها بأنهم عملاء للنظام، وهم الذين يحتاجون للتوعية الدينية. في ذاك الوقت كانوا نشطاء مع وزارة الخارجية الأمريكية في توعية المسلمين في أوروبا للاندماج والابتعاد عن العنف.
اعترافا بفضل الجماعة، رغم تغيرات الرؤى الغربية للجماعات الاسلامية، خاصة بعد ظهور القاعدة وأحداث 11 سبتمبر، ووضع العديد من الجماعات تحت المراقبة، إلا أن جماعة واحدة قد أبقيت على خشبة المسرح، ألا وهي جماعة الإخوان المسلمين، فأعضاؤها لم يفقدوا مكانتهم ولم تشتت رؤاهم. لذا فقد أفادوا من موطئ القدم الذي أتاحته ألمانيا الغربية والاستخبارات الأمريكية لهم، بتؤدة وهدوء، عمد الإخوان المسلمين إلى تحويل مسجد ميونيخ إلى قاعدة انطلاق لاختراق العالم العربي. يقول محمد سالم عبد الله كبير مسؤولي أرشيف منظمة العالم الاسلامي: “إن هذا المسجد هو الموضع الذي تصاغ فيه سياسات العالم بأسره”.
يبين كتاب مسجد في ميونيخ أن صعود الإسلام السياسي في أوروبا لم يكن نتيجة الهجرة فقط، بل نتاج شبكات دعم سياسي واستخباراتي مكنت جماعة الإخوان المسلمين من ترسيخ نفوذها. وهو غني بالمعلومات عن تحركات جماعة الإخوان المسلمين في أغلب المدن الأوروبية، وأسماء قياداتها وأعضائها، والمؤسسات التي تنشط من خلالها.
كتاب مهم للقراءة لأنه يكشف عن تداخل عميق بين الدين والسياسة الدولية، وموقف سياسات الغرب في الحرب الباردة وإسهامها في تمكين الحركات الإسلامية أكثر مما قيدتها. كذلك فهم وضع جماعة الإسلام السياسي في أوروبا المعاصرة وجذورها الاستخباراتية والجيوسياسية، وليس فقط العوامل الاجتماعية أو عوامل الهجرة. والأهم أنه يقدم نموذج مسجد ميونخ كحالة دراسية لفهم كيفية التحول من مشروع ديني إلى أداة سياسية في يد قوى دولية، ثم إلى مركز استراتيجي في صراع عالمي قلبه الحركات الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين. ويمثل هذا الكتاب إضافة مهمة للباحثين في مجال العلاقات الدولية ودراسات الاستخبارات والهجرة، ويعالج الكتاب موضوعاً مهماً لم يُبحث بما يكفي من الدراسات، وهو العلاقة بين أجهزة الاستخبارات الغربية والحركات الإسلامية في أوروبا، ومرجعاً للباحثين في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، والحركات الإسلامية، وسياسات الحرب الباردة، وعلاقات الاستخبارات الأمريكية والأوروبية بجماعات الإسلام السياسي.



