قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين أمام اختبار القضاء: بين الإبطال والتقييد.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في خطوة تشريعية تُعد من الأكثر إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، صادق الكنيست الإسرائيلي على قانون يجيز فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين، في سياق سياسي وأمني بالغ التعقيد. ويطرح هذا التطور جملة من التساؤلات الجوهرية حول مدى دستورية هذا القانون، وفرص صموده أمام رقابة المحكمة العليا الإسرائيلية، فضلًا عن تداعياته على مكانة إسرائيل القانونية دوليًا.
تشريع في سياق سياسي محتقن ، وقد جاء إقرار القانون بدفع من التيارات اليمينية المتشددة داخل الحكومة، وبدعم مباشر من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رغم وجود تحفظات داخلية وانتقادات من أطراف في المعارضة. وقد تم تمرير القانون بصيغة معدّلة تُبقي عقوبة الإعدام ضمن السلطة التقديرية للقضاة، بدلًا من فرضها بشكل إلزامي، في محاولة لتقليل حدة الانتقادات القانونية والدولية.
إلا أن هذا التعديل لا يُغيّر من جوهر الإشكالية، إذ يُنظر إلى القانون باعتباره موجهًا لفئة محددة، بما يُثير تساؤلات جدية حول مدى انسجامه مع مبادئ العدالة والمساواة.
إشكاليات قانونية تهدد بقاء القانون ، حيث يواجه القانون جملة من التحديات القانونية التي قد تُعجّل بإبطاله أو تقييد تطبيقه: وتُظهر صياغة القانون تمييزًا واضحًا في التطبيق بين الفلسطينيين والإسرائيليين، سواء من حيث جهة المحاكمة أو طبيعة الإجراءات، ما يجعله عرضة للطعن لمخالفته المبادئ الدستورية التي أرستها المحكمة العليا الإسرائيلية.
تسييس الجريمة والعقوبة: وذلك من خلال ربط العقوبة بعناصر ذات طابع سياسي أو أيديولوجي، كـ”إنكار وجود دولة إسرائيل”، يُضعف الأساس القانوني للعقوبة، ويُدخلها في نطاق التوظيف السياسي بدلًا من كونها إجراءً جنائيًا محضًا.
التعارض مع القانون الدولي: بحيث يتناقض القانون مع التزامات إسرائيل بموجب اتفاقية جنيف الرابعة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين يفرضان قيودًا صارمة على تطبيق عقوبة الإعدام، خاصة في سياق الاحتلال، ويؤكدان على ضمانات المحاكمة العادلة وعدم التمييز.
ازدواجية النظام القضائي: وذلك مع استمرار محاكمة الفلسطينيين أمام محاكم عسكرية، مقابل محاكم مدنية للإسرائيليين، يعزز من الانتقادات الدولية بشأن وجود نظام قانوني مزدوج، قد يرقى إلى مستوى التمييز المنهجي.
المحكمة العليا بين مقتضيات القانون وضغوط السياسة
لطالما لعبت المحكمة العليا الإسرائيلية دورًا في مراجعة التشريعات المثيرة للجدل، إلا أنها غالبًا ما منحت هامشًا واسعًا للسلطة التنفيذية في القضايا ذات الطابع الأمني. ومع ذلك، فإن الطبيعة التمييزية الواضحة لهذا القانون قد تضع المحكمة أمام اختبار حقيقي.
ومن المرجح أن تتجه المحكمة إلى أحد خيارين:
إما إبطال القانون كليًا لمخالفته المبادئ الدستورية، أو تقييد تطبيقه عبر فرض شروط صارمة تُفرغه من مضمونه العملي. ويبدو أن الخيار الثاني هو الأقرب، نظرًا لاعتبارات التوازن بين السلطات وتجنب الصدام المباشر مع الحكومة.
تداعيات دولية محتملة
لم يمر القانون دون ردود فعل دولية، حيث عبّرت عدة دول أوروبية عن قلقها من طابعه التمييزي، ولوّح الاتحاد الأوروبي بإمكانية تأثيره على العلاقات الثنائية. كما قد يُفتح الباب أمام مساءلة قانونية دولية، خاصة أمام المحكمة الجنائية الدولية، في حال اعتُبر تطبيقه انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني.
وخلاصة تحليلية ، إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يتجاوز كونه مجرد تعديل في السياسة الجنائية، ليعكس تحولًا أعمق في بنية النظام القانوني الإسرائيلي، باتجاه مزيد من التسييس والتشدد.
ورغم ما يحظى به من دعم سياسي داخلي، فإن هشاشته القانونية تبقى واضحة، ما يجعله عرضة للإبطال أو التقييد. وبذلك، تنتقل المواجهة الحاسمة من قاعة الكنيست إلى أروقة القضاء، حيث سيُحدد قرار المحكمة العليا ما إذا كان هذا القانون سيبقى إطارًا نظريًا، أم سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد القانوني والسياسي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.



