أبو رمضان يحذر من تصاعد المخاطر الصحية في قطاع غزة
في مناشدة عاجلة للمجتمع الدولي

قدّم معالي وزير الصحة الفلسطيني د. ماجد أبو رمضان مناشدةً عاجلةً إلى المجتمع الدولي، محذرًا من تصاعد المخاطر الصحية في قطاع غزة، في ظل انتشار القوارض وتدهور البيئة نتيجة تراكم الركام والنفايات، وما قد يترتب على ذلك من تفشي أمراض خطيرة تهدد حياة السكان، لا سيما الأطفال والرضّع.
ورغم وجاهة التحذير وخطورة المؤشرات الصحية التي أوردتها وزارة الصحة الفلسطينية، فإن هذا الخطاب يطرح تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن تضطلع به مؤسسة سيادية في مثل هذه الظروف الاستثنائية. فالمؤسسات الصحية، حتى في أزمنة الكوارث، لا يُفترض أن تتموضع فقط في موقع الاستغاثة، بل في موقع القيادة وإدارة الأزمة، بما يحفظ ثقة المجتمع ويعزز مناعته.
لقد أفرزت تداعيات أحداث السابع من أكتوبر 2023 واقعًا قسريًا معقدًا، فرض على المؤسسات جملة من التحديات غير المسبوقة، وأوجد بدائل اضطرارية في الأداء والخطاب. غير أن الخطر يكمن في تحول هذه البدائل إلى نمط دائم، يُعيد تعريف وظيفة المؤسسة من فاعل مسؤول إلى طرف يكتفي بالمناشدة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مفهوم الدولة ودورها في حماية مواطنيها.
وفي هذا السياق، من الضروري التأكيد أن هذا الطرح لا يُمثّل اعتراضًا على السلطة الفلسطينية بوصفها الإطار السياسي والمؤسسي الجامع، بل هو تعبير صادق عن غيرة المواطن على فكرة الدولة، وحرصه على صون نموذجها المؤسسي. إنها غيرة من مواطن يؤمن بأن قوة المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على الاستجابة للأزمات فقط، بل بقدرتها على الحفاظ على هويتها ووظيفتها بعيدًا عن التآكل أو الاستبدال.
كما أن هذا الطرح لا ينفصل عن نقد واقع الحزبية التي أسهمت، عبر السنوات، في إفراغ كثير من المؤسسات الحكومية من مضمونها المهني، وإضعاف بنيتها الوظيفية، ما مهّد الطريق لظهور بدائل خارج الإطار الرسمي. فقد بات الاعتماد المتزايد على جهات دولية مثل منظمة الصحة العالمية وأطباء بلا حدود وغيرها، مؤشرًا على فجوة آخذة في الاتساع بين المؤسسة الوطنية ودورها الطبيعي، وبين ما يُفترض أن تضطلع به من مهام سيادية لا يمكن تفويضها بالكامل.
إن المقاربة الأكثر اتزانًا تقتضي أن يُعاد ضبط الخطاب المؤسسي بحيث يستند إلى أربعة مرتكزات رئيسية:
أولًا، الاستجابة: عبر إظهار الإجراءات الفعلية التي تقوم بها الوزارة على الأرض، من خطط طوارئ وتدخلات وقائية، بما يعكس حضورًا عمليًا لا يقتصر على التحذير.
ثانيًا، الضمان: من خلال تقديم خطاب يبعث الطمأنينة، قائم على إدارة المخاطر وتقليل آثارها، بدلًا من الاكتفاء بتوصيف حجم التهديد.
ثالثًا، الاعتمادية: بالحفاظ على صورة المؤسسة كمرجع مهني موثوق، يقود المشهد الصحي بثبات، حتى وهو يطلب الدعم الخارجي.
رابعًا، الاستدامة: عبر تبني حلول طويلة الأمد لمعالجة جذور الأزمة البيئية والصحية، وليس الاكتفاء بإجراءات إسعافية مؤقتة.
إن الفارق بين خطاب المناشدة وخطاب القيادة ليس في طلب الدعم، بل في كيفية تقديمه. فالمؤسسة القوية لا تتخلى عن مسؤوليتها تحت ضغط الواقع، بل تُعيد ترتيب أدواتها، وتطلب المساندة من موقع الفاعل لا المنفعل.
وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس إلغاء نداءات الاستغاثة، بل إعادة صياغتها ضمن رؤية مؤسسية راسخة، تُبرز ما تقوم به الوزارة من جهود، وتؤكد قدرتها—رغم كل القيود—على إدارة الأزمة، بما يحفظ كرامة المواطن ويعزز ثقة المجتمع في مؤسساته، ويعيد الاعتبار لدور المؤسسة العامة بوصفها الحاضنة الأولى والأخيرة للمجتمع.
نضال احمد جابر جودة.
![]()



