لقاء إسلام آباد بين التهدئة المؤقتة وإعادة ضبط التوازن… بقلم: د. عبدالرحيم جاموس

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس أهمية اللقاءات السياسية بما يُعلن فيها، بل بما تعكسه من تغيّر في موازين القوة.
من هذا المنظور، يمكن قراءة اللقاء المرتقب في اسلام آباد يوم الجمعة 10 أبريل، بين وفدي التفاوض الأمريكي والإيراني و بوصفه محاولة لاحتواء التصعيد وفتح مسار تفاوضي، أكثر منه محطة لحسم الصراع.
المؤشرات الواقعية ترجّح أن المخرجات إن تحققت ، ستكون في إطار اتفاق مرحلي محدود، يهدف إلى تثبيت تهدئة مؤقتة أو توسيعها، بما يمنح الطرفين وقتاً لإدارة الأزمة بدل الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. فتعقيد الملفات المطروحة، من العقوبات إلى النفوذ الإقليمي وأمن الطاقة، كل ذلك يجعل من الصعب التوصل إلى تسوية شاملة في جولة واحدة.
في جوهر التفاوض، تتمسك ايران برفع العقوبات وتثبيت دورها الإقليمي، مستندة إلى ما تعتبره قدرة على الصمود وفرض توازن ردع.
في المقابل، تسعى أمريكا إلى احتواء التصعيد، وضمان أمن الملاحة، والحفاظ على توازن يطمئن حلفاءها .
هذا التباين لا يمنع التفاهم، لكنه يدفعه نحو صيغ جزئية ومؤقتة.
وتبرز قضية حرية الملاحة في مضيق هيرمز كأحد أهم محاور الاختبار.
فالمضيق يمثل ورقة ضغط استراتيجية لإيران ، وفي الوقت ذاته مصلحة حيوية للاقتصاد العالمي.
لذا، فإن أي تفاهم محتمل حوله سيبقى في حدود ترتيبات مؤقتة تضمن انسياب الملاحة، دون أن يحسم مسألة السيادة أو النفوذ بشكل نهائي.
العامل الزمني يشكّل بدوره ضغطاً واضحاً، فالفترات القصيرة للتهدئة وإن وُجدت قد تفرض إيقاعاً سريعاً على التفاوض، يدفع نحو نتائج عاجلة، لكنه يحدّ من إمكانية معالجة القضايا العميقة. وهذا يعزز فرضية “إدارة الصراع” بدل حله.
أما دور الوسيط ، فيبقى مهماً ولكن محدوداً. فاستضافة اسلام اباد تعكس رغبة الوسطاء في توفير مساحة أقل حساسية للحوار، وقد تسهم في تقريب وجهات النظر، إلا أن قدرتها على تحقيق اختراق حقيقي تبقى مرتبطة بإرادة الطرفين.
في الخلفية، يظل موقف إسرائيل عاملاً مؤثراً، حتى دون حضور مباشر. فأي تفاهم لا يراعي حساباتها الأمنية قد يواجه تحديات لاحقة، ما يزيد من هشاشة أي اتفاق محتمل.
غير أن العامل الأكثر حسماً يبقى انعدام الثقة. فالتجارب السابقة بين الطرفين تجعل أي تفاهم عرضة للتشكيك، وتدفع كل طرف إلى التعامل معه كخطوة تكتيكية لا استراتيجية.
خلاصة القول، إن لقاء مرشح لأن يفضي إلى تهدئة مؤقتة وتفاهمات محدودة، لا إلى تسوية نهائية.
لكنه، رغم ذلك، قد يكرّس إدراكاً متزايداً لدى الطرفين بأن كلفة المواجهة المباشرة مرتفعة، وأن التفاوض مهما كان بطيئاً ومضطرباً ، يبقى الخيار الأقل كلفة.
وهكذا، قد لا يكون هذا اللقاء نهاية الصراع، لكنه قد يشكّل خطوة في اتجاه إعادة ضبطه، وفتح الباب أمام مسار أطول من التفاعلات السياسية التي تعيد تشكيل توازنات المنطقة تدريجياً.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
9/4/2026
تحليل دكتور عبدالرحيم جاموس لهذا اللقاء في إسلام آباد هو بالفعل قراءة باردة ورصينة، تبتعد عن زغاريد الانتصارات الوهمية، وتغوص في جوهر اللعبة السياسية القاسية: إدارة الصراع لا حله.
إليك تفكيكًا لأبعاد هذا التحليل ولماذا أجد فيه “رقيًا” و”تأثيرًا” فكريًا

بقلم: د.عادل جوده.من العراق.
١- التشخيص الدقيق لطبيعة اللقاء (تهدئة أم تسوية؟)
المقال يقطع الطريق على أي أوهام باتفاق تاريخي. العنوان نفسه يحسم الأمر: “بين التهدئة المؤقتة وإعادة ضبط التوازن”.
هذا ذكاء تحليلي، لأنه يعيد تعريف النجاح: النجاح ليس في حل كل شيء، بل في تجنب “الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة”. الكاتب لا يقرأ النوايا، بل يقرأ التكلفة: كلفة المواجهة أكبر من كلفة التفاوض.
٢- التركيز على “مضيق هيرمز” كنقطة اختبار حقيقية
بدلاً من الانشغال بالقضايا الكبرى (الملف النووي، البرنامج الصاروخي)، ينتقل الكاتب إلى “جغرافيا القوة” عبر مضيق هرمز.
“ورقة ضغط استراتيجية لإيران… ومصلحة حيوية للاقتصاد العالمي”
هذا هو العصب الحقيقي لأي تفاهم. إذا تم الاتفاق على هدوء مؤقت في المضيق، فهذا يعني أن أمريكا حصلت على ما تريد (أمن الملاحة)، وإيران حصلت على ما تريد (تثبيت دورها كورقة ضغط لا يمكن تجاوزها). الكاتب يفهم أن المضيق هو ملخص الصراع.
٣- كشف وهم “دور الوسيط”
في التحليلات السطحية، يُمدح الوسيط (باكستان هنا) كصانع معجزات. لكن د. جاموس يضع الأمور في نصابها:
“قدرتها على تحقيق اختراق حقيقي تبقى مرتبطة بإرادة الطرفين”
هذه جملة مدمرة للخطاب الدبلوماسي الرومانسي. الوسيط ليس سوى أثاث مريح للقاء، لكنه لا يصنع القرار.
هذا واقعي ومؤثر في آنٍ معًا.
٤- “العامل الغائب الحاضر”: إسرائيل
من نقاط القوة في التحليل أنه لا ينسى أن الطاولة المستديرة لا تضم كل اللاعبين.
“أي تفاهم لا يراعي حساباتها الأمنية قد يواجه تحديات لاحقة”
هذا يجعل أي اتفاق مرحلي أشبه بـ”قنبلة موقوتة” وليس سلامًا. التحليل لا يقدم أجوبة سهلة، بل يضيف طبقة من التعقيد، مما يجعله أكثر صدقًا.
٥- التشخيص النهائي: “إدارة الصراع”
الخلاصة التي يصل إليها الكاتب هي أكثر ما يمنح المقال قيمته النظرية:
العالم لم يعد في زمن الحلول النهائية. الصراع الأمريكي-الإيراني طويل الأمد، ولن ينتهي بلقاء. الهدف الأسمى الآن هو خفض الحرارة، وليس إطفاء النار.
ما الذي يجعل هذا التحليل “راقياً جداً ومؤثراً”؟
»· تجريده من العاطفة: لا يتحدث عن “خير وشر”، ولا عن “نصر وهزيمة”. يتحدث عن مصالح وتكاليف.
»· لغته الباردة: حتى وهو يتحدث عن حرب أو سلام، تبقى لغته طبية، كأنه يصف مريضًا في غرفة الطوارئ.
هذه البرودة هي قمة الاحترافية.
»· تواضعه المعرفي: يقول بوضوح: قد يفضي إلى تهدئة مؤقتة، ليس إلى تسوية نهائية. هذا الاعتراف بأن التحليل السياسي ليس تنبؤًا، بل قراءة للاحتمالات، هو ما يجعله “مؤثرًا” بالصدق.
ملخص القراءة:
هذا المقال أشبه بـ “أشعة مقطعية” للواقع السياسي. لا يبحث عن الجراح التي ستشفى، بل يبحث عن الكسور التي يمكن تثبيتها مؤقتًا. د. عبدالرحيم جاموس يقدم درسًا في الواقعية السياسية المتزنة، بعيدًا عن شعارات النصر أو خطاب الاستسلام.
جملة تستحق أن تُعلّق في الذاكرة:
“إن لقاء (إسلام آباد) مرشح لأن يفضي إلى تهدئة مؤقتة… لا إلى تسوية نهائية. لكنه قد يكرّس إدراكاً بأن التفاوض يبقى الخيار الأقل كلفة.”
شكرًا دكتور لنشرك هذا التحليل العميق. 🌍
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



