قراءة بنيوية نفسية في خاتمة كتاب “الثرثرات المحببة”.. سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة

(ناشرون فلسطينيون)
تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب الرسائل “الثرثرات المحببة” للكاتب فراس حج محمد، هذه الخاتمة التي لم يحفل بها كل من كتب عن هذه الرسائل، كأنهم لم يصلوا إليها، أو لعلهم لم ينتبهوا إلى ما فيها من لغة صادمة، وقاسية، لا تتناسب وما سبقها من رسائل ودّ وحبّ، أفاض فيها الكتب بشرح عاطفته وأفكاره تجاه أولئك النساء اللواتي راسلنه وراسلهن، وهن سبع نساء: (أميرة الوجد (ش. ح)، صوفي، ف. ع، إ. س، ر.غ، ص. ز، ل. م)
هذا المنجز الأدبي للكاتب فراس حج محمد ظاهرة فنية تستحق التأمل المعمق، ليس فقط لغزارة إنتاجه التي تجاوزت الثلاثة وأربعين كتاباً منذ عام 2013، بل لاشتباك هذا المنتج مع أشد المناطق حساسية في الوعي الجمعي العربي، وتحديداً ثالوث (الدين، والجنس، والسياسة)، وفي كتابه هذا “الثرثرات المحببة“- الرسائل الصادر عن دار الفاروق للثقافة والنشر في مدينة نابلس عام 2024، يضعنا الكاتب أمام تجربة فريدة تنتمي لأدب الرسائل، حيث يتبادل البوح والحنين وشيئاً من الجنس مع مجموعة من المبدعات، لكنه يختتم هذا الفيض الوجداني بخاتمة صادمة ومستفزّة في حدتها وتشكيلاتها الصورية البلاغية، كأنه تعمّد أن يهدم كل ما كتبه دفعة واحدة، فبدا للقارئ أنها كتابة (كتابة الرسائل) غير ذات جدوى.
تسعى هذه المقالة إلى تفكيك هذه الخاتمة عبر أدوات المنهج البنيوي النفسي، محاولة سبر أغوار الموقف الوجداني للكاتب من المرأة، والتحقق من مدى صمود فرضية الميسجونية أو كره النساء أمام هذا النص الذي يبدو كلعنة لغوية موجهة للمرأة.
ينهي الكاتب رسائله بهذه الخاتمة: ” كل امرأة لا تهزها قصائد العشق ورسائل العاشق فليبلْ في فمها الثعلب، وتلعب بنهديها الفئران، وتعشش تحت أبطيها العناكب، ولينم في فرجها الذباب، وليكن ظهرها مسرحا للجنادب، وبطنها مأوى للنمل، ولتمصّ دم فخذيها العقارب، وتصبح حديث الأساطير، ولعنة الكتابة”.
لفهم هذه الخاتمة لا بد من تأصيل الأداة النقدية المستخدمة في التحليل، فالمنهج البنيوي النفسي الدامج بين البنيوية والتحليل النفسي، يمثل قراءة نقدية ترى في النص نظاماً لغوياً مغلقاً يعيد إنتاج البنى النفسية العميقة للمبدع، حيث تنطلق البنيوية من فكرة أن النص وحدة محددة تنظم ذاتها بذاتها، حيث اللغة هي التي تتكلم وليس المؤلف، ومع ذلك، يضيف البعد النفسي هنا أن هذه اللغة ذاتها محملة برغبات مكبوتة ورموز تعوض عما لم يستطع الكاتب تحقيقه في واقعه، فكان لا بد من اجتماع منهجين معاً ليكونا أقدر في الكشف عن أبعاد النص الدلالية.
إن التعامل مع النص الأدبي كعَرَض عصابي يتسامى بالرغبة المكبوتة في شكل رمزي مقبول، يتيح لنا فهم لماذا لجأ فراس حج محمد إلى صور الثعلب والعقارب والذباب، وغيرها في خاتمته، فالتحليل البنيوي يبدأ من بنية الكلمة وصيغتها ليصل إلى معنى المعنى أو الدلالة العميقة، وفي هذا السياق، تصبح الخاتمة بنية لسانية تعكس اضطراباً في العلاقة بين الأنا (الكاتب) والموضوع (المرأة)، وهي علاقة تتأرجح بين التقديس والتدنيس.
تبدأ الخاتمة بجملة شرطية قاطعة- مع ملاحظة حذف أداة الشرط- تضع قصائد العشق كمعيار للوجود الإنساني للمرأة: كل امرأة لا تهزها قصائد العشق ورسائل العاشق فليبلْ في فمها الثعلب…، من منظور بنيوي، نلاحظ هيمنة أفعال الأمر (الأفعال المضارعة المقترنة بلام الأمر) التي تضفي صفة القدرية والوجوب على العقوبات المقترحة، وتعد كل الجمل اللاحقة للجملة الابتدائية نتائج وجزاءات لفعل الشرط الكائن في الجملة الأولى، فكأننا أما جملة مفتاحية رئيسية، وكل جمل الخاتمة تابعة لها في المعنى والتلازم.
وفي هذه الجمل، ثمة بنية للعقاب الرمزي وتجلياتها الحسية، إذ يرتبط كل عضو أنثوي في المرأة بوكيل عقابي، وفعل ملازم، ما يفسر أو يشير إلى دلالة نفسية ورمزية، فالفم ارتبط بالثعلب وبفعل التبول، لما في هذا التلازم الثلاثي من إشارة إلى تدنيس وسيلة البيان والقبلة، وتمثل رد فعل على صمت المرأة، أمّا النهدان، فيرتبطان بالفئران، وبفعل التلاعب، وفي ذلك تحويل رمز الأنوثة إلى عبث، بما فيه من سلب القدسية والمتعة والجمال عن هذين العضوين اللذين كانا موضع احتفال كبير للشاعر في قصائد كثيرة لعل أهمها “أغنيات إلى سمّو نهدك” و”نبوءة النهد الأخيرة”، ومقالته التأسيسية “أجمل ما في المرأة ثدياها”.
كما يختار الكاتب من المناطق المخفية منطقة الإبطين، مشبها إياهما بشبكة عنكبوتية (قذرة) تعشش فيها العناكب، ما قد يوحي بالموت السريري والإهمال الوجودي، وأما الفرج- وهو عنوان اللذة الحسية عند كلا الطرفين المتراسلين وكثيرا ما أشارت إليه الرسائل سواء عند المرسل (الكاتب) أم عند بعض أولئك النساء، وخاصة صوفي، وأميرة الوجد- فقد ارتبط بالذباب وبفعل النوم، لتكون قمة التدنيس الرمزي، وتحويل منبع الحياة إلى مأوى للقذارة أيضاً.
لم تنسهِ هذه الأعضاء الأمامية أن يلتفت إلى عضو من أعضاء المرأة الخلفية، وهو الظهر الذي يشكل مساحة ممتدة تستوعب المساحة الأمامية، وخاصة الصدر والنهدين والبطن وصولا إلى الفرج، متجاوزاً ربما عن عمد الحديث عن المؤخرة. لقد جعلت الخاتمة هذا الظهر مسرحاً للجنادب، ليجرد ذلك الجسد من خصوصيته وجماليته ويحوله إلى أرض مشاع، ولإحداث السيطرة الكاملة على الجسد الأنثوي في مناطق غزارته الدالة على المتعة، يعود إلى البطن لتتكامل المساحتان؛ الظهر والبطن، فقد جعل هذه المنطقة مأوى للنمل، ليعبّر عن تلك الحيوية التي كان ربما يطمح إليها بتكوّن جنين من صلبه في أحشاء تلك النسوة أو إحداهن، وأخيراً يصل الدعاء على النساء إلى الفخذين حيث فعل مص العقارب للدم منهما، مصورا العلاقة كفعل افتراسي مؤلم وسُمّي.
تحيل هذه الستة مخلوقات (الثعلب، والفئران، والعناكب، والجنادب، والنمل، والعقارب) إلى ذاكرة أدبية مشبعة بالدلالات السلبية، فيستذكر الكاتب صورة الثعلبان الذي يبول على رأس الصنم في البيت المشهور: “أربّ يبول الثعلبان برأسه، لقذ ذل من بالت برأسه الثعالب”، وحضور الفأر المفسد كثيراً في الأدب العربي، كما أن العناكب ذات دلالة سيئة في عدم الاعتراف بالعشرة والألفة مع الشريك، أما الجندب فمن خصائصه أنه كلما اشتد الحر زاد صريره، وهو ما جعله رمزاً عند الأدباء للكائن الذي يجد لذته في المحنة التي هي الحرارة، والنمل وما عرف عنه من بخل وحرص، والعقارب لما لها من تاريخ سيئ في اللدغ المذل، فالعقرب في المخيال الشعري العربي هي كائن تكتيكي؛ لا يواجه كالمفترسات الكبرى، بل يكمن ويترصد، ولذلك كانت الرمز الأقوى لوصف الخيانة والنميمة، ولعلّ كل كائن من هذه الكائنات يشير إلى واحدة من أولئك النسوة، اللواتي كنّ ستّ نساء أيضاً، إذا ما استثنينا (ص. ز) تلك المرأة التي راسلته وعرضت نفسها عليه ليضاجعها لكنه لم يأبه بها، وتجاهلها تماماً.
إن هذا التراكم الصوري المنفر يمثل انزياحاً حاداً عن لغة الكاتب الوجدانية المعتادة، فبينما يصف المرأة في نصوص أخرى بأنها “عنب شهي” “حلو المذاق”، نجد هنا تحولاً نحو تبشيع الجسد واختفاء جمالياته الشعرية والطبيعية، هذا التبشيع ليس فعلاً بيولوجياً، بل هو بنية لغوية تعويضية عن إحباط عاطفي ناتج عن عدم احتفال أولئك النساء بتلك الرسائل.
يكشف فراس حج محمد في حواراته أن الشعر سِفْر للحزن والتعاسة، وأن الكتابة بالنسبة له فعل تطهير من ثقل الأوجاع، فتبدو الخاتمة، بهذا المعنى، هي لحظة انفجار (الهو)- مستودع الغرائز المكبوتة- في وجه (الأنا الأعلى) الذي يمثل القيم الثقافية والتقدير الإنساني للمرأة.
يشير الكاتب إلى أنه توقف عن كتابة الرسائل، لأن المرسل إليه لم يكن يحفل بتلك الرسائل، وفي علم النفس، يؤدي الإحباط المستمر إلى العدوان، حيث إن الكاتب مهذب جداً وخلوق في واقعه بشهادة زملائه، كما جاء في إحدى القراءات النقدية للرسائل التي كتبها الدكتور سرمد التايه، فإنه ينقل هذا العدوان إلى اللغة، ليجعل من الخاتمة مذبحة لغوية للمرأة التي تجرأت على ممارسة الصمت أمام فصاحة الشاعر، إنها رغبة في إبادة الجمال الذي لم يعد متاحاً أو مستجيباً، فهذا التصنيم البارد والقاسي لهذا الجمال يجد له الكاتب هذا الرد القاسي، وكأننا أمام مبدأ تناسب رد الفعل مع الفعل نفسه، فلكل فعل رد فعل، مناسب له في المقدار، ومعاكس له في الاتجاه، كما في ذلك القانون الفيزيائي الشهير.
لم تكن الحيوانات والحشرات المستخدمة في النص عشوائية، فالثعلب يرمز للمكر الذي يدنس الفم، والمراوغة كانت في العشق فعلا شفويا فمويا، والعقارب ترمز للغدر والألم الذي يصيب أشد المناطق حميمية وجمالية بعد الفرج (الفخذين)، والعناكب ترمز للقتل، حيث الأنثى تقتل ذكرها، لكنها هنا تستعجل فتقتله قبل التلقيح كما هو في علم الأحياء، وكذلك القول كما ذُكر أعلاه عن الجنادب والنمل والفئران، وتعكس هذه الصور بنية نفسية تحتية ترى في المرأة غير المتفاعلة جثة بيولوجية، لأن الحياة في مذهب الكاتب مرتبطة بـ الاهتزاز للجمال والشعر والتعاطف والمشاركة الوجدانية والحسية.
للوهلة الأولى، تبدو الخاتمة دليلاً دامغاً على أن الكاتب مصاب بالميسجونية التي تعني كره النساء وتحقيرهنّ، ومع ذلك، فإن التحليل البنيوي النفسي يقتضي وضع النص في سياق الكلية الإبداعية للكاتب، فثمة نوع من التناقض بين الخطاب النقدي والخطاب الإبداعي الانفعالي؛ ففي خطابه النقدي، يعد فراس حج محمد من أبرز المدافعين عن الإبداع النسائي، رافضاً تهميش المرأة أو التعامل معها كمفعول به تاريخي، وفي كتابه “الكتابة في الوجه والمواجهة“، يهاجم الذئاب الثقافية الذين يبتزون الكاتبات، هذا التناقض يشير إلى أن تلك الخاتمة البشعة ليست موقفاً فكرياً ثابتاً، بل هي حالة وجدانية متطرفة مرتبطة بلحظة الإبداع.
ولو أجرينا مقارنة بين الرؤية الكلية لفراس حج محمد وخاتمة “الثرثرات المحببة“، لتبين لنا وللقارئ الكريم حقيقة مواقف فراس حج محمد من المرأة، فهو يعرّف المرأة بأنها أصل الوجود ومنبع الجمال وسر الحياة، ويستخدم رمزية شهرزاد المخلّصة والذكية التي تروض التوحش الذكوري، ويتخذ موقفا متقدما من الجسد الأنثوي فيحتفي بالجمال والارتواء العذري والحسي، ليصل في نهاية موقفه الذي أودعه في كتبه النقدية أن الهدف من الكتابة هو التحرر، والمواجهة، وبناء الهوية.
في مقابل ذلك كله، تظهر الخاتمة موقفا معاكساً، حيث التدنيس المتعمد عبر صور التحلل والكائنات ذات المدلول السلبي، فالأنثى تستحق اللعنة بسبب صمتها، وبالتالي فقد ظهرت كائناً بيولوجيا مستباحاً للحشرات إذا لم تتأثر بالشعر، ولم ترقَ إلى ما كان يطمح إليه الشاعر في مراسلاته الحارة والمكثفة، ليصل إلى هدف خاص من الكتابة متمثلا في الانتقام الرمزي والتطهير من ألم الرفض.
إن هذا التباين يؤكد أن الكاتب يعيش صراعاً بين المثقف التنويري الذي يقدس المرأة، وبين الشاعر الرومانسي الجريح الذي لا يقبل من المحبوبة بأقل من التماهي الكامل معه، ومع قصائده وما يكتبه، فكما قال “من حبّ ذاق”، وقد بقي محروماً لم يذق شيئاً، فالخاتمة- إذن- هي سقوط مؤقت في غياهب اللاوعي الغاضب، وليست بياناً ميسجونياً مؤسسياً.
تنتهي الخاتمة بجملة “تصبح حديث الأساطير، ولعنة الكتابة“، هنا نجد اعترافاً صريحاً بأن الكتابة ذاتها يمكن أن تكون سلاحاً مدمراً، ومن منظور بنيوي، الكتابة عند فراس حج محمد هي فعل وجودي؛ فإذا لم تحقق الكتابة هدفها في هزّ المرأة، فإنها تتحول إلى لعنة تطارد الطرفين، إن الكتابة هنا كانت فعل تدمير لمواطن الجمال الأنثوي بفعل كائنات بغيضة وغير محبوبة، فصار التدمير ثلاثياً، تدمير الذات، واللغة الجمالية، والمرأة العاشقة.
يرى الناقد رائد الحواري أن كتابات فراس حج محمد” تهدف إلى التطهير من ثقل الفعل نفسياً”، وفي الخاتمة، يمارس الكاتب عملية إسقاط لمشاعره السلبية تجاه المرأة الجاحدة لفضله الشعري، لتبدو الكتابة هنا تبرئه من الفعل- العدوان الواقعي- وتحوله إلى اعتراف لغوي يخلصه مما يثقله، إنها عملية انتقام بلاغي تجعل من المرأة أساطير في القبح والخراب، رداً على عدم رغبتها في أن تكون أسطورة في الحب.
في كتابه “سر الجملة الاسمية“، يؤكد الكاتب قدرة الاسم على بناء نصوص كاملة المعنى، لكن في الخاتمة، نلاحظ انفجاراً في الأفعال (يبول، تلعب، تعشش، ينام، يكون، تمص)، هذا التحول من سكونية الاسم التي تليق بالحب المستقر إلى حركية الفعل العقابي يعكس اضطراباً في البنية الوجدانية للكاتب، وهو لم يعد يصف حالة، بل يخلق مصيراً مفجعاً عبر اللغة السردية المتوترة التي تناسبها الأفعال لا الأسماء.
لا يمكن فصل خاتمة “الثرثرات المحببة” عن تجربة الكاتب في كتابه “نسوة في المدينة“، حيث الجرأة في تصوير الجسد والوصول لموضوعات غير مألوفة، إذ يعترف الكاتب في مقدمة هذا الكتاب “أن بعض الحكايات كانت مملة حد المرض النفسي” فلم يذكرها، أما في الخاتمة، فهو يواجه المرأة المملة التي لا تهزها القصائد- يواجهها بأبشع الصور.
وُصف أدب فراس حج محمد بأنه وليمة فكرية فيها كل أصناف المتعة الروحية والأدبية، لكن الخاتمة تقدم وليمة مسمومة، الجلد الذي يجب أن يُتحسس باللمس وبالتمتع البصري يصبح مسرحاً للجنادب، والفم موطن الجمال في الحديث والتقبيل يصبح مكاناً للبول، والفرج والنهدان والفخذان مواطن اللذة الحسية الكاملة تصبح أعضاء للقذارة والألم العنيف، والبطن الذي يجب أن يكون مأوى للحياة، يصبح مأوى للنمل، إن الكاتب يمارس تعطيلاً متعامداً للحواس الجمالية المُتَعية للمرأة؛ فالعين لا ترى، والأذن لا تسمع القصائد، والجلد لا يشعر إلا بالعقارب، ومع كذلك يتعطل التمتع الجنسي، هذا التعطيل الحسي هو العقاب المناسب في نظر الشاعر لمن عطلت حاسة التلقي لديها تجاه شعره ورسائله وتوسلاته العاطفية.
وصف بعض النقاد فراس حج محمد بالمشاكس الذي يجيد جرأة الطرح، ويرى آخرون أن نصوصه مجنونة وتتجاوز الحدود، ومن وجهة نظر المنهج البنيوي النفسي، هذه المشاكسة هي قناع يخفي خلفه رغبة عميقة في الاعتراف، فالكاتب يريد من القارئ- والمرأة- أن يخترق مسافات الحكايات الأخرى التي لم يروها.
الخاتمة هي الفخ الأخير الذي نصبه الكاتب؛ فهي تستفز القارئ لدرجة تجعله يتساءل عن أخلاقية الكاتب، لكن الكاتب يرى أن الصدق الفني يتطلب تعرية النفس من ثوب النبل الزائف، فهو يقول لن أكون رجلاً نبيلاً إذاً إذا كان الثمن هو إخفاء الحقيقة النفسية البشعة لرد الفعل تجاه الخذلان.
بناءً على ما تقدّم من التحليل القائم على المنهج البنيوي النفسي لخاتمة “الثرثرات المحببة” ومقارنتها بالبنية الكلية لمنتج فراس حج محمد الإبداعي والنقدي، نصل إلى النتائج الآتية:
أولاً: الموقف الوجداني من المرأة ليس موقفاً كارهياً بالمعنى التقليدي (الميسجونية)، بل هو موقف عشقي متطرف محكوم بمنطق “الكل أو لا شيء“، المرأة عند صاحب الرسائل هي إما إلهة ملهمة تهتز لكل حرف، أو جرم مادي يستحق التلاشي والتدنيس إذا ما فقدت حساسيتها الجمالية.
ثانياً: الخاتمة تمثل لحظة انهيار الأنا أمام سطوة الهو الغريزي الذي لا يحتمل الرفض، وما الصور المقززة إلا انزياحات لغوية تعبر عن حجم الجرح النرجسي الذي سببه صمت النساء المرسل إليهن.
ثالثاً: استخدام اللعنة والصور الحشرية والحيوانية هو استعادة لآليات الهجاء القديم في التراث العربي، لكن بلباس سيكولوجي حديث يهدف إلى التطهير النفسي للكاتب من عبء الانتظار العبثي بعد أن فقد الأمل باستعادة العلاقة العاطفية، وخسرها إلى الأبد، إنه تحول من الغزَلي إلى الهجائي في سياق الغزل نفسه، وهذا يبدو من الأمور اللافتة في هذا الكتاب، وتكشف عنه الخاتمة.
رابعاً: تظل تهمة الميسجونية ضعيفة أمام مشروع الكاتب الذي كرس فيه عشرات الكتابات للدفاع عن حقوق المرأة المبدعة ومواجهة اضطهادها، فالخاتمة هي استثناء وجداني يثبت القاعدة؛ فالغضب العارم لا يأتي إلا من حب عارم أجهضه الصمت.
خامساً: إن لعنة الكتابة التي توعد بها الكاتب هي في الحقيقة لعنته هو أيضاً؛ فهو الكاتب الذي لا يستطيع الانفكاك عن هوسه بالأنثى، وهو الذي يجد نفسه مضطراً لتحويل أجمل عواطفه إلى أقبح صوره اللغوية كفعل انتحار بلاغي أمام برود المرأة العاشقة التي عاقبته بالصمت المطبق، ولم ترأف لحالته البائسة، وهذا ربما ما جعله يعلن توقفه ليس عن كتابة الرسائل وحسب، وإنما عن كتابة الشعر أيضاً.
في الختام، تظل خاتمة رسائل فراس حج محمد “الثرثرات المحببة” نصاً إشكالياً يضع القارئ والناقد أمام مرآة النفس البشرية في أشد لحظاتها عرياً وانكساراً، إنها ليست صرخة رجل كارهٍ للنساء، إنما في حقيقة الأمر صرخة عاشق مهزوم وجد في تبشيع ملهمته وسيلة وحيدة للبقاء على قيد الإبداع، لعله يرضي نفسه الأمّارة بالحب والسوء معاً.


