قضية الأسرى بين التقديس السياسي وتهميش معاناة المجتمع المدني

لا يوجد إنسان عاقل يمكنه إنكار معاناة الأسرى الفلسطينيين، فهم يعيشون تجربة قاسية عنوانها سلب الحرية، العزل، والقمع اليومي. لكن الإشكالية لا تكمن في الاعتراف بهذه المعاناة، بل في احتكارها وتضخيمها على حساب معاناة أخرى لا تقل وجعًا، بل ربما تفوقها تعقيدًا واستمرارية.
لقد ساهم الخطاب السياسي والإعلامي، وخصوصًا الحزبي منه، في تكريس صورة الأسير كرمز أوحد للمعاناة الفلسطينية. هذه الصورة، رغم عدالتها الجزئية، تحولت مع الوقت إلى أداة تعبئة سهلة، واضحة المعالم، قابلة للاستثمار العاطفي والجماهيري. في المقابل، تم تهميش معاناة المجتمع المدني، لأنها أكثر تشعبًا، وأصعب في التأطير، وأقل قابلية للاستخدام الدعائي.
المجتمع الفلسطيني خارج السجون لا يعيش حالة عابرة من الألم، بل يرزح تحت معاناة تراكمية متعددة الأوجه: فقر مدقع، حصار خانق، فقدان للأمان، نزوح قسري، دمار لمقومات الحياة، واستنزاف نفسي واجتماعي مستمر. هذه المعاناة لا تحمل عنوانًا واحدًا، ولا تُختزل في رمز، ولذلك لا تحظى بذات الزخم الإعلامي، وكأنها قدر طبيعي يجب التعايش معه.
المفارقة المؤلمة أن التضحيات التي قدمها المجتمع المدني، خاصة في غزة، لم تُمنح الاعتراف الذي تستحقه. آلاف الضحايا، عائلات أُبيدت، أرامل وأيتام وثكالى، ومشردون بلا مأوى، ومع ذلك لم تتحول هذه المآسي إلى قضية مركزية في الخطاب الوطني. لم تُمنح نفس الحضور الرمزي، ولا حتى الحد الأدنى من الامتنان أو الاعتراف المعنوي.
هذا الخلل لا يعكس فقط انحيازًا إعلاميًا، بل يكشف عن أزمة عميقة في الوعي السياسي، حيث يتم تقديم معاناة على حساب أخرى، بدلًا من التعامل مع القضية الفلسطينية كمنظومة إنسانية متكاملة. فلا يمكن فصل معاناة الأسير عن معاناة الطفل الذي فقد عائلته، أو الأم التي ترملت، أو الشاب الذي يعيش بلا أفق. فالألم الفلسطيني واحد، وإن تعددت صوره.
إن اختزال القضية الفلسطينية في نموذج واحد، مهما كان رمزيًا ومؤثرًا، يُفقدها عمقها الحقيقي، ويحوّلها إلى سردية ناقصة. فالقضية ليست فقط حرية أسير، بل كرامة شعب كامل، وحقوق إنسانية شاملة لا يجوز تجزئتها أو توظيفها وفق أولويات حزبية ضيقة.
أمام هذا الواقع، يصبح من الضروري إعادة صياغة الخطاب الوطني على أسس أكثر عدالة وشمولًا، بحيث يُنصف جميع أشكال المعاناة دون انتقائية، ويُعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني كقيمة عليا، لا كأداة ضمن خطاب سياسي.
أمام هذا الاختلال الفجّ في ترتيب الأولويات، لم يعد الغضب ترفًا، بل أصبح حالة عامة تتشكل في وعي الناس يومًا بعد يوم. مجتمعٌ يُستنزف، تُهمَّش قضاياه، وتُستغل آلامه لصالح شعارات لا تُطعمه خبزًا ولا تمنحه أمانًا، لن يبقى صامتًا إلى الأبد. حين يشعر الإنسان أن كرامته ليست أولوية، وأن حقوقه تُصنَّف وفق مزاج حزبي أو انتقائية سياسية، فإنه يبدأ بالبحث عن خلاصه بأي وسيلة.
ولذلك، لم يعد مستغربًا أن تتسلل فكرة النجاة الفردية إلى العقول: الهجرة، الرحيل، أو حتى القبول بأي نموذج حكم قادر على توفير الحد الأدنى من العدالة والكرامة. فالمواطن الذي حُرم من أبسط حقوقه داخل وطنه، لن يتردد في البحث عن بديل، حتى لو كان خارج الجغرافيا التي أحبها وضحّى من أجلها.
بل إن الأخطر من ذلك، أن هناك من بات يرى أن استقدام كفاءات إدارية خارج الإطار الحزبي، وربما خارج السياق المحلي بالكامل، أصبح ضرورة لا خيارًا، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من مفهوم المواطنة الذي جرى تفريغه من مضمونه بفعل الانقسام والعنصرية السياسية.
إن استمرار هذا النهج لا يعني فقط تهميش المجتمع المدني، بل يعني دفعه قسرًا نحو الانفصال النفسي عن قضيته، وفقدان ثقته بكل ما هو قائم. وعندها، لن تكون الخسارة سياسية فقط، بل وجودية، لأن شعبًا بلا شعور بالعدالة، هو شعب يبحث عن وطن… حتى لو اضطر أن يجده في مكان آخر.
نضال احمد جابر جودة.



