حين تختطف البدائل دور الدولة: من يدير ملف مرضى غزة؟

لم تعد أزمة التحويلات الطبية في قطاع غزة مجرد خلل إداري عابر، بل تحوّلت إلى نموذج صارخ لانهيار المعايير المؤسسية واستبدالها ببدائل هشة لا تملك لا الشرعية الكاملة ولا الكفاءة الكافية. والنتيجة ليست أرقامًا على الورق، بل مرضى عالقون بين قرارات متضاربة، وإجراءات مبتورة، ومصير صحي مفتوح على المجهول.
المشكلة لم تبدأ من نقص الإمكانيات فقط، بل من قرار أخطر: تفريغ المؤسسات الرسمية من أدوارها واستبدالها بأجسام مؤقتة. اللجنة الطبية التي جيء بها كبديل عن دائرة العلاج بالخارج لم تنجح في ملء هذا الفراغ، ليس لقصور أفرادها بالضرورة، بل لأن المهام التي أُنيطت بها أكبر من بنيتها، وأعمق من أن تُدار بعقلية مؤقتة أو صلاحيات غير مكتملة.
الأمر ذاته ينطبق على الدور الذي مُنح لـ منظمة الصحة العالمية كبديل عن دائرة تنسيق وارتباط المرضى. فهذه المنظمة، رغم مكانتها الدولية، ليست جهة سيادية، ولا يفترض أن تتحول إلى بديل عن مؤسسات وطنية مسؤولة أمام مواطنيها. حين تُستبدل الجهة الحكومية بجهة دولية، فإننا لا نحل المشكلة، بل نُعيد تعريفها خارج إطارها الطبيعي.
الحل لا يحتاج إلى مزيد من الاجتهادات، بل إلى قرار واضح: إعادة الأمور إلى نصابها المؤسسي. البداية يجب أن تكون من الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة، باعتبارها نقطة الارتكاز القادرة – إن أرادت – على إعادة ضبط المسار. وأول هذا الضبط هو إنهاء حالة الازدواجية، وإقصاء الأجسام التي لم تثبت قدرتها على إدارة الملف، وإعادة الاعتبار لدائرة العلاج بالخارج كجهة مختصة بإدارة التعاقدات مع المستشفيات الخارجية، لا كخيار ثانوي أو هامشي.
لكن إعادة الصلاحيات دون بنية تشغيلية لن تُجدي. من هنا، يصبح لزامًا على الإدارة الصحية في مناطق القطاع، وتحديدًا مكتب وكيل وزارة الصحة المكلف في قطاع غزة، توفير بيئة عمل حقيقية لدائرتي العلاج بالخارج وتنسيق وارتباط المرضى. لا يمكن لمؤسسة أن تعمل من فراغ، ولا لملف بهذا الحجم أن يُدار دون عنوان إداري واضح.
الأخطر من ذلك هو ملف التحويلات ذاته. الحديث عن نحو 22 ألف تحويلة طبية يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: كم من هذه التحويلات تم وفق الأصول؟ وكم منها خضع لاجتهادات أو تجاوزات؟ إن ترك هذا الرقم دون مراجعة شاملة هو بمثابة تكريس للفوضى، لا إدارتها. المطلوب ليس مجرد تدقيق شكلي، بل إعادة هيكلة كاملة تعيد الاعتبار للمعايير القانونية والمهنية.
وفي قلب هذه الفوضى، تظهر إشكالية أخرى لا تقل
خطورة: التوقيعات الطبية غير المنضبطة على نموذج (رقم 1). حين يصبح التوقيع بلا ضوابط واضحة، فإن القرار الطبي يفقد وزنه، ويتحوّل إلى إجراء روتيني قابل للتلاعب. إعادة ضبط هذه الآلية لم تعد خيارًا، بل ضرورة لحماية ما تبقى من مصداقية النظام الصحي.
ومع كل ما سبق، لا يمكن تجاهل الدور الغائب للحكومة. إن السلطة الفلسطينية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالقيام بواجبها تجاه المواطنين في قطاع غزة، ليس من باب السياسة، بل من باب المسؤولية السيادية. فغيابها لا يخلق فراغًا فقط، بل يفتح المجال لبدائل لا تملك الشرعية ولا القدرة على الاستمرار.
القضية هنا ليست صراع صلاحيات، بل صراع على معنى الدولة نفسها: هل تبقى المؤسسات هي المرجعية، أم تُستبدل بمنظومات مؤقتة تُدار بالأمر الواقع؟
الإجابة لن تُكتب في البيانات، بل في القرارات. وأول هذه القرارات: إعادة الاعتبار للمؤسسة، قبل أن يفقد المريض ما هو أهم من حقه في العلاج.
نضال احمد جابر جودة.



