إذا أعاد ترمب إيران إلى ” العصر الحجري ” كما يزعم، فإلى أي عصر ستعود بعض دول الخليج العربي؟.. د/ كاظم ناصر

العالم يراقب تناقضات وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الجنونية بدهشة غير مسبوقة، فالرجل الذي يقود أقوى دولة في العالم أذهل حتى الشعب الأمريكي بسياساته العدوانية، وتعريضه السلام العالمي للخطر إلى درجة ان المزيد من الأصوات ترتفع في الداخل الأمريكي متهمة إياه بعدم الأهلية لقيادة البلاد وتطالب بخلعه من منصبه.
فبعد نهاية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 13 يونيو 2025 واستمرت اثني عشر يوما، زعم ترمب في 24 يونيو 2025 بأنه دمر سلاح الجو والمنشآت النووية والصاروخية والبحرية الإيرانية، وإنه انتصر وحقق أهداف العدوان، وإن إيران تحتاج إلى عشرات السنين للتعافي من تداعيات تلك الحرب.
لكن تبين ان تلك الحرب فشلت في تحقيق أهدافها؛ ولهذا بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا ثانية على الجمهورية الإسلامية صباح يوم السبت 28 فبراير/ شباط 2026 استمرت ستة أسابيع، وأعلن ترمب أن هدفها هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ومصادرة ما تملكه من اليورانيوم المخصب، وتدمير قدراتها الصاروخية، وصولا إلى إسقاط النظام، ودعا الإيرانيين الى الخروج للشوارع دعما للحرب والعمل على تقويض النظام، ودعا أيضا الحرس الثوري إلى إلقاء سلاحه. لكن إيران صمدت، وبقي النظام وزاد الدعم الشعبي له، وتم وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية بدأ في 8 إبريل، وبناء على ما تم الاتفاق عليه في محادثات إسلام آباد وافقت إيران على فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية الدولية، لكن ترمب انقلب على الاتفاق وأعلن فرض حصار بحري على إيران، وردت إيران على ذلك بإعادة إعلاق المضيق، ورفضت المشاركة في المحادثات، وأعلنت تحديها ورفضها الرضوخ للإملاءات الأمريكية، واستعدادها للتصدي لأي هجمات أمريكية – إسرائيلية جديدة.
ومرة أخرى زعم ترمب بأنه انتصر في الحرب بقوله يوم الخميس 22/4/2026 ” القوات المسلحة الإيرانية هزمت بالكامل، وبحريتهم وسلاحهم الجوي دمرا تماما. قضيت على إيران عسكريا في الأسابيع الأربعة الأولى ودمرنا 75% من أهدافنا هناك.” وهدد أكثر بأنه سيعيد إيران إلى ” العصر الحجري ” إذا لم تستسلم وتقبل الشروط الأمريكية – الإسرائيلية!
فهل انتصرت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما من حربيهما على إيران؟ ومن المعرّض للعودة للعصر الحجري؟ هل هي إيران أم بعض دول الخليج التي تحتفظ بقواعد عسكرية أمريكية شاركت في العدوان؟ لقد فشل العدوان الأمريكي – الإسرائيلي في تحقيق أهدافه المعلنة وتركيع إيران؛ وحتى إذا عادت الولايات المتحدة وإسرائيل للهجوم على إيران وتمكنت من تدمير منشآت النفط والكهرباء والغاز وغيرها وتغيير النظام فهل ستعود إيران للعصر الحجري؟ إيران دولة واسعة يزيد عدد سكانها عن 90 مليون نسمه، عريقة بتاريخها وحضارتها، غنية بمصادرها الطبيعية، وقام شعبها بثلاث ثورات ضخمة في أقل من 80 عاما، هي الحركة الدستورية التي اندلعت عام 1905 وطالبت بدستور دائم وبرلمان منتخب ونجحت في ذلك، وبثورة محمد مصدق الذي أمم النفط عام 1951، والثورة الإسلامية عام 1979، ولهذا فإن الشعب الإيراني لن يستسلم، وسيعيد بناء ما دمرته وقد تدمره أمريكا وإسرائيل.
لكن الدول المهددة بالعودة ” للعصر الحجري ” أو اختفاء بعضها من خارطة الوطن العربي هي دول الخليج! فإذا نفذ ترمب تهديداته بمهاجمة محطات الطاقة والنفط والغاز والجسور الإيرانية، فمن المتوقع ان تقوم إيران بمهاجمة محطات تحلية المياه، ومحطات الكهرباء، ومنشآت النفط والغاز في عدد من الدول الخليجية؛ وبما أن الماء الذي يشربه سكان هذه الدول يأتي من محطات تحلية مياه البحر، والكهرباء التي يستهلكونها في تكييف بيوتهم ومدارسهم ومؤسساتهم إلخ تجعل الحياة في تلك الدول الشديدة الحرارة والجفاف ممكنة، واقتصادها يعتمد أساسا على منشآت النفط والغاز، فإن ضرب إيران لهذه المؤسسات وتدميرها سيجعل الحياة هناك شبه مستحيلة، وقد يؤدي ذلك إلى نزوح ملايين السكان منها وتعريض وجودها للخطر!



