المستشار أحمد يوسف: حين يفرض المختلف حضوره على الكتابة.. بقلم/ حلمي أبو طه

ليس من السهل أن تكتب عن شخصية تختلف معها تنظيمياً وسياسياً، خاصة حين تكون شخصية محسوبة على حركة بحجم وتأثير حماس. وفي هذا السياق الفلسطيني المعقّد، حيث تتداخل السياسة بالاصطفافات الحادة، وتُختزل الشخصيات العامة غالباً في مواقفها التنظيمية، يصبح من النادر أن يُكتب عن شخصية عامة خارج ثنائية التأييد أو الرفض. غير أن بعض التجارب تفرض نفسها، وتدفعنا إلى إعادة النظر في طريقة قراءتنا للأشخاص، لا بوصفها امتداداً لموقف سياسي، بل باعتبارها حالة فكرية تستحق التوقف والقراءة. من هذا المنطلق، أجدني أكتب عن الدكتور أحمد يوسف، أحد أبرز المفكرين والكتّاب في الشأن السياسي الفلسطيني المعاصر، حيث جمع بين العمل الأكاديمي والبحث العلمي والتأليف والكتابة، والممارسة السياسية. ومع أن الرجل يُعد من كوادر ورموز حركة حماس، ورغم اختلافي مع الحركة في الرؤية وفي كثير من القضايا السياسية والفكرية، إلا أن حضوره الشخصي والفكري وتجربته العملية يفرضان على المهتمين بالشأن العام مقاربته بقدر من الموضوعية، بعيداً عن منطق التصنيف المسبق أو الأحكام الجاهزة. فالاختلاف، في حد ذاته، لا ينبغي أن يكون مانعاً من الفهم، كما أن الاتفاق لا يجب أن يكون مبرراً للتسليم. شغل الدكتور أحمد يوسف منصب المستشار السياسي لرئيس الوزراء إسماعيل هنية في الحكومة الأولى التي ترأسها، وشغل خلال مسيرته عدداً من المواقع القيادية، من بينها عضوية مجلس الشورى العام والمكتب السياسي، ووكيلاً لوزارة الخارجية. ويعمل حالياً أستاذاً زائراً في الجامعة الإسلامية بغزة، إلى جانب رئاسته لمعهد “بيت الحكمة” للاستشارات وحل النزاعات، وهو ما يعكس امتداد حضوره بين الحقلين الأكاديمي والفكري. يحمل الدكتور أحمد يوسف درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من الولايات المتحدة الأمريكية، وسبقها بدرجتي ماجستير؛ الأولى في الهندسة التقنية الصناعية، والثانية في الإعلام الدولي، وكلتاهما من جامعات أمريكية. وعلى المستوى الفكري، قدّم إنتاجاً غزيراً تجاوز حتى الآن “خمسة وخمسين كتاباً” بالعربية والإنجليزية، تناول فيها قضايا السياسة الفلسطينية، وتحولات الإقليم، وإشكاليات العلاقة المركّبة بين الفكر والممارسة. إلى جانب ما يقارب ثلاثين بحثاً وورقة سياسات، نُشر عدد كبير منها في مجلات محكمة دولياً. في ضوء هذه المسيرة المتعددة، فإن توصيفه كمجرد “كاتب” أو “مؤلف” لا يبدو كافياً؛ فهو أقرب إلى مفكر يسعى إلى صياغة وبناء رؤية، لا الاكتفاء بوصف الواقع أو التعليق عليه. وهذا ما يضعه في تقاطع نادر بين الفعل السياسي والإنتاج الفكري، وهي مساحة قلّما تتوفر في السياق الفلسطيني، حيث غالباً ما ينفصل الحقلان أو يطغى أحدهما على الآخر. وفي هذا الإطار، يمكن مقاربته – من حيث الجمع بين الفكر والسياسة، لا من حيث التطابق في الرؤى – بكل من عزمي بشارة ووضاح خنفر، بوصفهم نماذج تسعى إلى إنتاج رؤية فكرية تتجاوز التعليق السياسي اللحظي، وإن اختلفت أدواتهم ومساراتهم وتجاربهم. إلى جانب أسماء فلسطينية بارزة مثل جورج حبش الذي جمع بين القيادة الميدانية والرؤية الفكرية، وإدوارد سعيد الذي، رغم تموضعه الأكاديمي العالمي، ظل منخرطاً بعمق في الدفاع الفكري عن القضية الفلسطينية، وهشام شرابي وفتحي الشقاقي، مع اختلاف السياقات والمدارس التي ينتمي إليها كل منهم. معرفتي به ليست طارئة أو عابرة؛ بل تعود إلى نحو عشر سنوات، حين استُضيف ضمن جلسات “صالون حلمي الثقافي” حيث أتيحت لي فرصة الاستماع إليه عن قرب، ومناقشة بعض أفكاره في سياق حواري مفتوح. في تلك الجلسات، لم يلفتني فقط مضمون الطرح، بل أسلوبه الهادئ وقدرته على إدارة الاختلاف دون توتر أو انفعال. وهي سمة نادرة في بيئات يغلب عليها الطابع الجدلي الحاد. ولا تزال جملة قالها آنذاك عالقة في ذهني: “أنا من مدرسة الرأي والرأي الآخر.. واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية”. هذه العبارة، على بساطتها، تختصر ملامح منهج يحاول أن يوازن بين القناعة والانفتاح، وبين الانتماء والاستعداد للاستماع. أو على الأقل الصورة التي يسعى لتقديمها في فضاء الحوار العام، وتختصر إلى حد بعيد ملامح منهجه في التفكير والحوار. خلال فترة الحرب الحالية، برز جانب آخر من هذه التجربة. فبينما توقّف كثيرون عن الكتابة والتأليف تحت ضغط الواقع، واصل الدكتور أحمد يوسف إنتاجه الفكري. فقد أصدر أربعة كتب تناول في إثنين منها حكايات النزوح، وكتابين آخرين ضمن مشروع مذكراته الشخصية. كل ذلك في ظروف بالغة القسوة. وفي بيئة يغيب فيها الاستقرار، وتُستنزف فيها الطاقات، وتصبح الكتابة بحد ذاتها فعل مقاومة معرفية وصمود، أو على الأقل فعل تمسّك بدور المثقف في لحظة تتآكل فيها الأدوار.
ومع اندلاع أحداث السابع من أكتوبر، كان خارج قطاع غزة في جولة عمل شملت جنوب أفريقيا والإمارات ومصر، لكنه عاد في الأيام الأولى، رافضاً البقاء في الخارج، ليعيش تجربة النزوح كسائر أبناء شعبه، ويكتب من داخلها لا من خارجها. هذا القرار، بمعزل عن تفسيراته المختلفة، يعكس تصوراً معيناً لدور المثقف، ليس بوصفه مراقباً من الخارج، بل كجزء من التجربة نفسها، بكل ما تحمله من قسوة وتعقيد. في هذه التجربة، يبرز تناقض لافت يستحق التأمل: كيف يمكن لقيادي في حركة سياسية مثار جدل واسع، أن يكون في الوقت ذاته مثقفاً ومفكراً يحافظ على خطاب يدعو إلى الحوار وتعدد الآراء والانفتاح الفكري. سيما في بيئات يغلب عليها الطابع الأيديولوجي الصارم. وهنا، وفي خضم هذا المشهد المركب، قد يتبادر إلى الذهن وهذا ما يطرح سؤالاً أوسع: هل يمكن أن نقرأ الأشخاص خارج اصطفافهم السياسي والأيديولوجي؟ وهل نمتلك القدرة على إنصاف المختلف معنا، دون أن يعني ذلك بالضرورة الاتفاق معه أو تبني مواقفه؟ كما أن هذا الحضور لا يخلو من إشكاليات؛ فالسؤال يبقى قائماً حول حدود تأثير الصوت الفكري داخل الأطر التنظيمية الصلبة، ومدى قدرته على إحداث مراجعات حقيقية وفاعلة، لا سيما في بيئات يغلب عليها الطابع الأيديولوجي الصارم. وهنا، في خضم هذا المشهد المركب، قد يتبادر إلى الذهن سؤال افتراضي مشروع: ماذا لو قُدّر لهذا الرجل أن يتولى موقعاً متقدماً في قيادة الحركة، كرئاسة مكتبها السياسي؟ كيف يمكن أن تنعكس خلفيته الفكرية على مسارات صنع القرار؟ وهل يمكن لمثل هذه التجربة أن تفتح مساحات أوسع للمراجعة والحوار داخل بنية شديدة التعقيد؟ هذه أسئلة مشروعة، بل وضرورية، نأمل أن تتضح إجاباتها على لسان سعادة المستشار في قادم الأيام بإذن الله. مع ذلك، تبقى تجربة الدكتور أحمد يوسف جديرة بالقراءة، ليس بوصفها نموذجاً مكتملاً، بل باعتبارها محاولة للاشتباك مع الواقع من داخله. ففي وقت ينكفئ فيه بعض المثقفين بعيداً عن الميدان، أو ينشغل فيه السياسي بالفعل اليومي دون إنتاج فكري، تبدو هذه الحالة مختلفة بما يكفي لطرح الأسئلة وإعادة التفكير حول موقع المثقف في الأزمات: هل يكتفي بالمراقبة والتحليل، أم ينخرط في التجربة بكل تعقيداتها؟ وهل نحن مستعدون فعلاً لقراءة المختلف معنا بإنصاف؟ أم أننا لا نزال أسرى الاصطفاف، لا نرى إلا ما يؤكد قناعاتنا، ونتجاهل كل ما عدا ذلك؟ وفي هذا السياق، تبدو تجربته نموذجاً لمثقف يحاول أن يوازن بين الفكر والموقف، دون ادعاء الكمال، ودون انفصال عن الواقع. فالكتابة عن الدكتور أحمد يوسف هنا لا تأتي بوصفها تعبيراُ عن تأييد واتفاق، بل دفاعاً عن فكرة أبسط وأعمق: أن الحياة الفكرية الصحية لا تُبنى بالمؤيدين فقط، بل أيضاً بقدرتنا على فهم المختلفين، ومناقشتهم، والإنصات إليهم، دون أن نفقد استقلالنا أو توازننا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com