الأزمة الاقتصادية الفلسطينية بين اتساع الاحتجاجات وكلفة التنازلات بلا مقابل.. بقلم المحامي علي أبو حبلة

تشهد الساحة الفلسطينية حالة من الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي المتصاعد، انعكست في موجة من الإضرابات والاحتجاجات التي طالت قطاعات التعليم والصحة والجامعات والخدمات العامة، في مؤشر واضح على عمق الأزمة التي لم تعد قابلة للمعالجة بالحلول المؤقتة أو الخطابات التبريرية. فالمواطن الفلسطيني يواجه اليوم ارتفاعاً في الأسعار، وتراجعاً في القدرة الشرائية، وتعثر الرواتب، وتراجعاً في الخدمات، فيما تتسع دائرة القلق من المستقبل الاقتصادي والاجتماعي.
إن ما يجري لم يعد مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية وإدارية، إلى جانب استمرار الضغوط الإسرائيلية المتمثلة باقتطاع أموال المقاصة، وتقييد الحركة والتجارة، وإضعاف البنية الاقتصادية الفلسطينية. غير أن العامل الخارجي، على خطورته، لا يلغي الحاجة إلى مراجعة داخلية صريحة للخيارات والسياسات التي اتُّبعت خلال السنوات الأخيرة.
تنازلات بلا عائد ملموس
من أبرز ما يثير التساؤلات في المشهد الراهن أن الحكومة الفلسطينية قدمت، في أكثر من محطة، تنازلات أو مرونات سياسية وإدارية في إطار تفاهمات واتفاقيات مع أطراف دولية، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، على أمل أن يقود ذلك إلى انفراج اقتصادي أو دعم مالي أو تحريك للملفات المجمدة. إلا أن الواقع العملي لم يُظهر حتى الآن نتائج ملموسة توازي حجم تلك المرونات.
فلم يلمس المواطن تحسناً جوهرياً في انتظام الموارد، أو معالجة لأزمة الرواتب، أو توسعاً في الاستثمار، أو تخفيفاً حقيقياً للأعباء المعيشية. وبقيت الأزمة تراوح مكانها، بل ازدادت تعقيداً مع مرور الوقت.
المقاصة ومخاطر الوصاية المالية
وفي السياق ذاته، برزت في الآونة الأخيرة مقترحات وتوصيات أمريكية تتعلق بآليات إدارة أو تحويل أموال المقاصة، من بينها الحديث عن تسليمها إلى ما يسمى مجلس السلام أو جهات وسيطة. ومثل هذه الطروحات، إن صحت، تثير جملة من المخاوف السياسية والقانونية والاقتصادية، لأنها تمس جوهر الحق الفلسطيني في إدارة موارده المالية بنفسه.
فأموال المقاصة ليست منّة من أحد، بل هي أموال فلسطينية تُجبى نيابة عن السلطة الفلسطينية بموجب ترتيبات قائمة، وأي نقل لإدارتها إلى أجسام خارجية أو وسيطة قد يفتح الباب أمام مزيد من التقييد والاشتراط السياسي، ويضعف القرار المالي الوطني.
سياسة التنازل دون مقابل
المشكلة الأساسية لا تكمن في الحوار مع الأطراف الدولية أو البحث عن حلول، فهذا أمر مشروع وضروري، بل في أن يتحول النهج إلى تقديم تنازلات دون مقابل واضح ومضمون. فعندما تُمنح المرونة السياسية ولا يقابلها رفع للضغوط، أو دعم اقتصادي حقيقي، أو حماية للحقوق الوطنية، فإن النتيجة تكون خسارة مزدوجة: استمرار الأزمة الداخلية، وتراجع الأوراق التفاوضية.
إن التجارب أثبتت أن المجتمع الدولي يتحرك غالباً وفق مصالحه وحساباته، لا وفق حسن النوايا. ولذلك فإن أي مرونة فلسطينية يجب أن تكون ضمن استراتيجية واضحة المعالم، قائمة على مبدأ التبادل المتوازن، لا التنازل المجاني.
الحاجة إلى مراجعة شاملة
المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة وطنية مسؤولة للسياسات الاقتصادية والسياسية، تنطلق من الأسئلة الجوهرية التالية:
ماذا جنت السلطة الفلسطينية من التفاهمات الأخيرة؟
هل انعكست تلك التفاهمات على حياة المواطن؟
هل عززت الاستقلال المالي أم عمّقت التبعية؟
وهل آن الأوان للانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة الوطنية؟
ما المطلوب الآن؟
رفض أي مساس بالسيادة المالية الفلسطينية أو نقل إدارة أموال المقاصة إلى جهات خارجية.
إعادة تقييم الاتفاقيات والتفاهمات وفق معيار المصلحة الوطنية المباشرة.
تشكيل فريق اقتصادي وطني متخصص لإدارة الأزمة ببرامج عملية لا وعود مؤقتة.
تعزيز الشفافية وإطلاع المواطنين على حقيقة الوضع المالي وخيارات المعالجة.
تبني استراتيجية صمود اقتصادي تقوم على الإنتاج المحلي وتقليل الارتهان الخارجي.
إجراء تغيير حكومي وبرامجي إذا ثبت عجز الأدوات الحالية عن مواجهة التحديات.
الخلاصة
إن الأزمة الاقتصادية الفلسطينية لم تعد تحتمل المزيد من التجريب أو الرهان على وعود الخارج. فالتنازلات التي لا تُترجم إلى مكاسب ملموسة تصبح عبئاً سياسياً واقتصادياً، وتفقد ثقة المواطن بجدوى المسار القائم.
والمطلوب اليوم ليس مزيداً من المرونة المجانية، بل سياسة وطنية رشيدة توازن بين الواقعية السياسية وحماية الحقوق، وبين الحاجة للدعم الخارجي وصون القرار الوطني المستقل. فالشعوب لا تُبنى بالتنازلات، بل بالإدارة الحكيمة والكرامة الوطنية والعدالة الاقتصادية.



