المطران عطا الله حنا: النكبة ليست يومًا للذكرى بل هي واقع يعيشه الفلسطينيون في كافة تفاصيل حياتهم

إن النكبة بالنسبة إلينا ليست يوماً للذكرى، بل هي واقع يعيشه الفلسطينيون في كافة تفاصيل حياتهم. فمنذ وعد بلفور، ومروراً بنكبة عام 1948، ووصولاً إلى أيامنا الحاضرة، فإن شعبنا تعرض لكمّ هائل من النكبات والنكسات، وصولاً إلى حرب الإبادة وما تعرض له أبناء قطاع غزة، وما تتعرض له الضفة الغربية اليوم، وما تتعرض له بنوع خاص مدينة القدس، التي يُراد انتزاعها من الجسد الفلسطيني، وتهميش وإضعاف الحضور الفلسطيني فيها.
لقد شهدنا اليوم في المدينة المقدسة مسيرات استفزازية بمناسبة ما يسمى “توحيد شطري القدس”، والذي هو في الواقع ذكرى احتلال القدس وليس توحيدها.
فقد كانت مسيرات استفزازية لم تخلُ من تعديات على المواطنين المقدسيين الآمنين، وبصق على دور العبادة، واعتداءات على المحال التجارية، واقتحامات للمسجد الأقصى.
يقولون لنا إن اليوم هو ذكرى النكبة، ولكن الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون اليوم إنما هو نكبة جديدة ومتجددة.
في هذا اليوم الذي يستذكر فيه اللاجئون الفلسطينيون مدنهم وقراهم وبلداتهم التي طُردوا منها عنوة عام 1948، فإن هؤلاء اللاجئين ما زالوا محتفظين بمفاتيح عودتهم.
إن المقولة التي كنا نسمعها بأن “الكبار يموتون والصغار ينسون”، يظهر بأنها ليست مقولة دقيقة وصحيحة، فالكبار يموتون، هذا صحيح، ولكن الصغار لا ينسون، وهم محافظون على الأمانة ومتشبثون بحق العودة الذي لا يسقط بالتقادم.
أمام النكبات والنكسات المتتالية، والمظالم التي يتعرض لها شعبنا، فسنبقى دوماً ننادي بتحقيق العدالة والحرية، وتحقيق الثوابت الوطنية لشعبنا.
وأمام هذا الكم الهائل من المظالم والمآسي التي تعرض لها شعبنا، فإننا نقول إنه لا يضيع حق وراءه مطالب.
كما أن الأحرار في مشارق الأرض ومغاربها تتسع رقعتهم يوماً بعد يوم، وهناك اتساع في رقعة الوعي تجاه عدالة القضية الفلسطينية.
ما هو مطلوب من الفلسطينيين هو أن يوحدوا صفوفهم، وأن يعملوا على ترتيب بيتهم وشؤونهم وأوضاعهم، لكي يكونوا في وضع أفضل.
إن الحال الفلسطيني ليس كما كنا نتمنى، فهناك مواضع خلل وضعف وانقسامات يجب معالجتها، لأن القضية الفلسطينية هي قضية الكل الفلسطيني، ويجب على الفلسطينيين جميعاً أن يكونوا موحدين في مواجهة التحديات والمؤامرات التي تستهدف عدالة القضية الفلسطينية.
ونداؤنا نوجهه مجدداً إلى كافة الكنائس المسيحية في عالمنا، وإلى كافة المرجعيات الروحية والدينية، ومن كل الأديان، بضرورة أن تتضافر الجهود في الدفاع عن هذا الشعب المظلوم والمكلوم والمنكوب.
أين هي العدالة أمام كل ما يحدث بحق شعبنا؟
فغزة مدمرة ومنكوبة، وأبناؤها مجوّعون ويتم التنكيل بهم، والضفة الغربية تحولت إلى سجن كبير تحيط به الأسوار والحواجز العسكرية، أما القدس فيراد تشويه تاريخها، والنيل من هويتها، وتهميش وإضعاف الحضور الفلسطيني المسيحي والإسلامي فيها.
إن العنصرية التي لاحظناها اليوم في أزقة القدس العتيقة إنما هي عنصرية تستهدف الكل الفلسطيني، وكل أبناء القدس، مسيحيين ومسلمين.
نعيش في زمن عصيب، ويجب أن نكون فيه موحدين، وأن نعمل بقلب رجل الواحد، مسيحيين ومسلمين، لأن المخاطر جسيمة، والمؤامرات خطيرة، وهي تستهدفنا جميعاً ولا تستثني أحداً على الإطلاق.
نعم، الحال الفلسطيني يحتاج إلى إصلاح، وإلى تصويب للبوصلة في الاتجاه الصحيح، مع تأكيدنا دوماً بأن عدالة القضية الفلسطينية هي أقوى من كل المؤامرات والمخططات والمشاريع الهادفة للنيل من عدالة هذه القضية وتصفيتها.
إننا نعيش مرحلة عصيبة، فالمستوطنون في الضفة الغربية يصولون ويجولون، وبات الانتقال من مكان إلى آخر محفوفاً بكثير من المخاطر.
أين هي المؤسسات الأممية والحقوقية؟ وأين هم قادة العالم الذين يتغنون بحقوق الإنسان، فيما يغضّ بعضهم الطرف عن معاناة شعبنا، وكأن هذا الشعب لا يستحق أن يحيا بسلام وأمن وأمان، مثل باقي شعوب العالم؟
المطران عطا الله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 14 أيار 2026



